الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠[1/ 16]
12
مقدمة المؤلف
فيأخذ في قطع هذه القنطرة بالسياسة والاعتدال فيقمع من شهوات النفس ما خرج عن طاعة الشرع والعقل، ويترك لها ما لا يخرج من الشرع والعقل، فلا يترك لكل شهوة، ولا يتبع كل شهوة، فلما فرغ من هذه القنطرة وقطعها بحسن عونه وتوفيقه، رجع إلى العبادة فنظر، فإذا عوارض تعترضه عن العبادة، وتشغله عنها كما ينبغي فتستقبله هاهنا:
فتأمل فإذا هي أربعة:
(قنطرة العوارض)
أحدها الرزق تطلبه النفس به ويقول لا بد لي من رزق وقوام وقد تجردت عن الدنيا، وتفردت عن الخلق فمن أين يكون قوامي ورزقي؟
من
الثاني
الأخطار: من شيء تخافه وترجوه أو تريده أو تكرهه ولا يدرى الصلاح في ذلك الفساد، فإن عواقب الأمور مبهمة؛ لأنه و ربما يقع في فساد أو مهلكة.
الثالث الشدائد والمصائب: تنصب عليه من كل جانب، لا سيما وقد انتصب لمخالفة الخلق، ومحاربة الشيطان ومجاهدة النفس، فكم من غصة يتجرعها، وكم من شدة تستقبله، وكم من هم وحزن يتعرضه وكم من مصيبة تتلقاه. الرابع
القضاء: من الله سبحانه بالخلق، والأمر يردُّ عليه حالاً فحالاً، والنفس تسارع السخط، وتبادر الفتنة، فيحتاج إلى قطع قنطرة هذه العوارض الأربعة بأربعة أشياء: بالتوكل على الله سبحانه في موضع الرزق، وبتفويض / الأمور إليه في موضع الأخطار،
وبالصبر عند نزول الشدائد وبالرضا عند نزول القضاء.
فلما قطع هذه القنطرة بما ذكرنا - بإذن الله وحسن عونه - رجع إلى العبادة فنطر، فإذا النفس فاترة كسلاً، لا تنشط ولا تنبعث للخير والعبادة كما يجب وينبغي، وإنما ميلها أبداً إلى غفلة وراحة وبطالة، بل إلى شر وفضول وبلية وجهالة فاحتاج معها هاهنا إلى سائق يسوقها إلى الخير والطاعة وينشطها، له وإلى زاجر يزجرها عن الشر والمعصية ويفترها عنه، وهما الرجاء في ثواب الله تعالى والخوف من عذابه مع توابعهما من الحذر والإشفاق والشوق،
والمحبة فتستقبله هاهنا:
قنطرة البواعث
فاحتاج إلى قطعها بالخوف والرجاء كما قدمنا فلما قطعها بحسن عون الله تعالى، وتأييده رجع إلى العبادة فتستقبله هاهنا: