الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤288
قنطرة الصلاة
يقتصر على قدر الحاجة، فإنه المأذون فيه بقرينة الحال والزيادة عليه لو علمها الحمامي لكرهها، ولا سيما الماء الحار، وله مؤنة وفيه تعب.
وأن يتذكر. النار بحرارة الحمام ويقدر نفسه محبوساً في البيت الحار ساعة، ويقيسه إلى جهنم، فإنه أشبه بيت بجهنم النار من تحت والظلام من فوق ونعوذ بالله منها، بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة؛ فإنها مصيره ومستقره، فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة، فإن المرء ينظر بحسب همته، فإنه إذا دخل بزاز أو نجار أو حيّاك أو بناء دار معمورة فإذا تفقدتهم رأيت البزاز ينظر إلى العرش يتأمل قيمتها، والحياك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها، والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها والبناء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها.
فكذلك السالك لطريق الآخرة لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح الله له طريق عبرة، فإن نظر إلى سواد تذكر ظلمة اللحد، وإن نظر إلى حيّه تذكر أفاعي جهنم، وإن نظر إلى صورة قبيحة [315/ب] تذكر الزبانية ومنكراً ونكيراً، وإن سمع صوتاً هائلاً تذكر نفخة / الصور، وإن رأى شيئاً حسناً تذكر نعيم الجنة، وإن كلمة سمع رد أو قبول تذكر أمره بعد الحساب من الرد والقبول، وما
أجدر أن يكون هو الغالب على قلب العاقل إن لم يكن ممن اقفل قلبه وأعميت بصيرته. ومن السنن أن لا يسلم عند الدخول وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت إن
أجاب غيره وإن شاء قال: عافاك الله لا تبدأ الكلام، ولا بأس بالمصافحة.
من
ثم لا يكثر الكلام في الحمام، ولا يقرأ القرآن إلا سراً، ولا بأس بإظهار الاستعاذة. الشيطان، ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريباً من الغروب؛ فإن ذلك وقت انتشار
الشياطين.
وقد رخص بعضهم أن يدلكه غيره، ثم مهما فرغ من الحمام شكر الله عز وجل على هذه النعمة، فقد قيل: الماء الحار في الشتاء من النعيم الذي يُسأل عنه.
وعن ابن عمر قال: إن الحمام من النعيم الذي أحدثوه ذلك من جهة الشرع. وقيل: النورة في كل شهر مرة تطفاء الحرارة وتنقي اللون، وتزيد في الجماع. وقيل: نومة في
الصيف بعد الحمام تعدل شربة دواء.
وقال بعضهم: بولة في الحمام قائماً في الشتاء أنفع من شربة دواء وغسل الرجلين بماء
بارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس.