الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣مقدمة المؤلف
17
سل
ثم اعلم بالتحقيق أنه ليس هذا الطريق في طوله وقصره، وقناطره المرتبة عليه مثل المسافات التي تسلكها الأنفس فتقطعها /. بأقدام الأجسام فيقطع قطعها على حسب قوة [19/ب] الأجسام وضعفها.
وإنما هو طريق روحاني تسلكه القلوب فتقطعه بالأفكار على حسب العقائد والبصائر أصله نور سماوي، ونظر إلهي يقع في قلب من سبقت له من الله العناية الأزلية فينظر العبد نظرة فيرى بها أمر الدارين بالحقيقة.
ثم هذا النور بما يطلبه العبد مائة سنة فلا يجده ويبقى في القنطرة الواحدة سبعين سنة ولا
يقطعها، فكم يصيح ويصرخ ما أظلم هذا الطريق وأشكله؟! وأعسر هذا الأمر وأعظمه؟! وذلك لخطأه في الطلب، وتقصيره في الاجتهاد، وجهله للطريق، وآخر يجده في خمسين، وآخر في عشرين، وآخر في يوم واحد، وآخر في ساعة ولحظة، على ما قسم له من عناية رب العزة وتوفيقه ألا ترى إلى أصحاب الكهف كان مدتهم في هذا الطريق خطرة؛ إذ رأوا التغيير في وجه ملكهم دقيانوس ـ على ما حكي في الخبر ـ فقالوا: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَواتِ
وَالأَرْضِ (1) وكذلك سحرة فرعون ما كانت مدتهم إلا لحظة حين رأوا معجزة موسى ـ عليه الصلاة والسلام - قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (2) الآية، فأبصروا الطريق في ساعة أو أقل، فصاروا من العارفين بالله الراضين بقضائه، الصابرين على بلائه.
فإن قلت: فلم اختص هؤلاء بالتوفيق وحرم غيرهم، وهم جميعاً مشتركون في ربقة العبودية فاعلم أنه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون. لكن العبد مأمور بالاجتهاد والأمر مقسم، والحكم والعدل يفعل ما يشاء، فنسأل الله تعالى أن لا يحرمنا ذلك بمنه وكرمه.
فصل
ومثال هذا الطريق في الدنيا قناطر الصراط في الآخرة في عقباتها / ومقاطعها وهما [20/ب]
صراطان، صراط الدنيا وصراط الآخرة.
(1) سورة الكهف الآية: 14.
(2) سورة الأعراف الآيتان: 121، 122.