قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤

18

مقدمة المؤلف

صراط الدنيا: للقلوب، يرى أحوالها أهل البصائر.

وصراط الآخرة: للأنفس، يرى أحوالها أهل الأبصار، فاختلفت أحوال السالكين في

الآخرة لاختلاف أحوالهم في الدنيا، وبالله التوفيق.

فصل

ثُمَّ اعْلَمْ يَقِيْناً أَنَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوفِيقُ، وَأَوْدَعَ قَلْبَهُ نُورَ الْهِدَايَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ، حَتَّى عَرفَ فَضِيلَةَ أَرْضِ نَفْسِهِ، وَرَزَقَهُ الْعِنَايَةَ لخدمتها، حتى ينظر إليها فيراها أرضاً أريضة ذات مياه نابعة وأشجار، فارعة وأثمار يانعة، وظل ظليل ونسيم عليل، ويفتش في غياظي شعارها، فيجدها مأوى لأسد الغضب، ونمور الجهل، وذئاب الغدر، وخنازير الشَّرَه، وكلاب الحرس، وضباع الحمق، وحيَّات الظلم، وعقارب الحسد.

فإذا تحقق ذلك منها، فليبتهل إلى الله تعالى بقلب منيب أن يرزقه مجاهدة هذه الآفات المؤذية، حتى ينقي أرض نفسه منها بالمجاهدة الحقيقية ويزرع فيها أصناف رياحين الأخلاق المرضية، فإن الله سبحانه أن مرجو يهب له مطية التوفيق حتى يقطع بها هذا الطريق، وهذه المطية لها أربعة قوائم من غير لحم ولا عظم فإن قلت اشرح لي قوائم المطية. قلت: فهل ينفعك الاشتياق وأنت غير مسارع إلى اللحاق؟!

ولكن سأشرحها لك:

،

فالقائمة الأولى: ذكر الله تعالى على الدوام بلا ملل.

والثانية: تعلق القلب بما في كل حين وزمان.

والثالثة: صرف الهمة إليه اشتياقاً.

والرابعة: اشتغال القلب به عن كل شيء سواه.

واعلم أن بصر المطية من العلم والمعرفة، وأذنها من المراقبة، وظهرها من التوكل، [1/ 21] وعنقها من الوفاء وقلبها من الصدق مكلل / بالإخلاص ولجامها من الهيبة، وروحها من اليقين، وطعامها من الأنس، وقائدها التوفيق وسائقها العون والتأييد، تصديقاً لقوله تعالى:

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (1) وطرق التوفيق إلى الله تعالى كثيرة لا تحصى،

والمطايا كذلك.

(1) سورة العنكبوت الآية: 19.