الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٤348
قنطرة الصلاة
وقوله عليه السلام أيضاً: ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (1). والتحقيق فيه أن المصلي يناجي ربه عز وجل كما جاء في الحديث عنه عليه السلام أنه قال: للمصلي ثلاث خصال؛: البر يتناثر على رأسه من عنان السماء إلى مفرق رأسه، والملائكة تحف به من لدن قدميه إلى أعنان السماء وملك ينادي لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفلت في أمثاله من الأحاديث، والكلام مع الغفلة ليس بمناجات البتة.
وبيانه أن الزكاة وإن غفل الإنسان عنها فهي في نفسها مخالفة للشهوة شديدة على النفس؛ لأنها إخراج مال محبوب إلى النفس وكذلك الصوم قاهر للهوى، كاسر للشهوة الله فلا يبعد أن يحصل منها المقصود إذا صحت النية في بدء الأمر مع
التي هي
آلة الشيطان عدو الغفلة في سائر عملها.
وكذلك الحج أفعال شاقة شديدة، وفيها من المجاهدة ما يحصل بها الابتلاء والامتحان، كان القلب حاضراً مع أفعاله، أو لم يكن إذا. صحت النية في ابتدائه.
وأما الصلاة فليس فيها إلا ذكر، وقراءة، وركوع وسجود، وقيام، وقعود.
أما الذكر فإنه محاورة ومناجات فلا يخلو أن يكون المقصود منه كونه خطاباً أو محاورة امتحاناً للقلب بالخضوع أو يكون المقصود منه الحروف، والأصوات امتحاناً للسان [387/ب] بأعمال التصويت كما تمتحن المعدة والفرج / بالإمساك في الصوم، وكما يمتحن البدن بمشاق الحج، ويمتحن القلب بمشقة إخراج الزكاة وانقطاع المال المعشوق، ولا شك أن هذا القسم باطل، فإن تحريك اللسان بالهذيان ما أخفه على الغافل؛ إذ ليس فيه امتحان من حيث أنه عمل، بل المقصود من حيث أنه نطق ولا يكون نطقاً إلا إذا أعرب عما في الضمير، ولا يكون معرباً إلا بحضور القلب، فأي سؤال في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (2). إذا كان القلب غافلاً، وإذا لم يقصد كونه تضرعاً، ودعاء؟ فأي مشقة في حركة اللسان به مع الغفلة لا سيما بعد إعتياد اللسان، ذلك هذا حكم الأذكار، بل أقول لو حلف الإنسان وقال: لأشكرن فلاناً، وأثنى عليه، وأسأله حاجة ثم خرجت الألفاظ الدالة على هذه المعاني على لسانه في
(1) لم أجده مرفوعاً وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من رواية عثمان بن أبي دهرش مرسلاً لا يقبل الله من عبد عملاً حتى يشهد قلبه بدنه، ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي بن كعب ولابن المبارك في الزهد موقوفاً على عمار لا يكتب للرجل من صلاته ما سهى عنه قاله العراقي في المغني (160/ 1). (2) سورة الفاتحة الاية: 6.