قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٦٥

قنطرة الصلاة

معه،

349

النوم، فيبعد أن يقال إن هذا بَرّ في يمينه ولو جرى هذا على لسانه في ظلمة، وذلك الإنسان حاضر، وهو لا يعرف حضوره ولا يراه لما صار باراً في يمينه، إذ لا يكون كلامه خطاباً ونطقاً ما لم يكن حاضراً هو في قلبه، ولو جرت هذه الكلمات على لسانه وهو حاضر في بياض النهار إلا أن المتكلم غافل عنه لكونه مستغرق الهم بفكر من الأفكار، ولم يقصده بالخطاب عند نطقه لم يصر باراً في يمينه، ولا شك في أن المقصود من القراءة والأذكار الحمد، والثناء، والتضرع، والدعاء، والمخاطب هو الله عز وجل، وقلبه محجوب عنه بحجاب الغفلة. فلا يراه ولا يشاهده، بل هو غافل عن المخاطب ولسانه يتحرك بحكم العادة، فما أبعد هذا عن المقصود بالصلاة التي شرعت / لتصقيل القلب، وتجديد ذكر الله تعالى ورسوخ عقد الإيمان [1/ 388]

بذلك، هذه أحكام القراءة والذكر، وبالجملة فهذه الخاصية لا سبيل إلى إنكارها في النطق،

وتمييزها عن الفعل.

وأما الركوع والسجود فالمقصود التعظيم بهما قطعاً، ولو جاز أن يكون الله عز وجل بفعله، وهو غافل عنه لجاز أن يكون معظماً لصنم موضوعاً بين يديه، وهو غافل عنه أو يكون معظماً للحائط الذي بين يديه وهو غافل عنه، وإذا خرج عن كونه تعظيماً لم يبق إلا مجرد حركة الظهر والرأس، وليس فيه من المشقة ما يقصد الامتحان، به ثم يجعل عماد الدين والفاصل بين الكفر، والإسلام ويقدم على الحج وسائر العبادات، ويجب القتل بسبب تركه على الخصوص، ما أرى أن هذه العظمة كلها للصلاة من حيث أعمالها الظاهرة، بلا أن يضاف إليها مقصور المناجات فأما إذا أضيف إليها حضور القلب بالمناجات فحينئذ تقدم على الصوم، والزكاة والحج وغيره من القربات والضحايا التي هي مجاهدة النفس لتعظيم الملك الأعلى، قال الله تعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (1). أي الصفة التي استوليت على القلب وغلبت عليه حتى حملته على امتثال الأوامر هي المطلوبة منكم، فكيف الأمر في الصلاة؟ فهذا ما يدل من حيث المعنى على اشتراط حضور القلب. فإن قال قائل: فإن حكمت ببطلان الصلاة وجعلت حضور القلب شرطاً في صحتها فقد خالفت به إجماع الفقهاء، فإنهم لم يشترطوا حضور القلب إلا عند تكبيرة الإحرام.

فاعلم أنه قد تقدم في قنطرة العلم أن الفقهاء لا ينظرون / في الباطن، ولا يشقون عن [1/ 389] القلوب، ولا في طريق الآخرة بل يبنون ظاهر أحكام الدنيا على ظاهر أعمال الجوارح، وظاهر الأعمال كاف لسقوط القتل وتعزير السلطان بفعل الصلاة.

(1) سورة الحج الآية: 37.