الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨352
قنطرة الصلاة
القسم الثاني في التفهم لمعنى الكلام وهو أمر وراء حضور القلب فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً في معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو المراد بالتفهم، وهذا أمر يتفاوت الناس فيه؛ وإذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، فك من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته، ولم تكن قبل ذلك [392/ ب] حضرت بقلبه فمن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها / تفهم أمور، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.
الثالث التعظيم: هو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه، ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظماً له فالتعظيم زائد عليهما.
الرابع الهيبة: وهي زيادة على التعظيم بل هي عبارة عن خوف منشأه التخويف، لأن من هائباً، والمخافة من العقرب وسوء الخلق من العبد، وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة، فالهيبة خوف
لا يخاف لا يسمى
مصدره الإجلال.
الخامس الرجاء ولا شك أنه، زائد فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه إذ يخاف سطوته، ولكن لا يرجو مبرته، والعبد ينبغي أن يكون راجياً بصلاته ثواب الله عز وجل، كما أنه خائف لتقصيره عقاب الله عز وجل.
السادس الحياء: هو زائد على الجملة، لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، ويتصور التعظيم، والخوف والرجاء من غير حياء، حيث لا يكون توهم تقصير، وارتكاب ذنب وبالله التوفيق (1).
الجملة الثانية: في أسباب هذه المعاني الستة:
أما حضور القلب: فإن سببه الهمة، فإن قلبك تابع لهمك، فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمر حضر القلب شاء أم أبى فهو مجبول عليه، ومسخر فيه فالقلب إذا لم يحضر
في الصلاة لم يكن متعطلاً، بل كان حاضراً فيما ألهمه مصروفة إليه من أمور الدنيا فلا حيلة ولا
أن
[393/ب] علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة والهمة / لا تنصرف إليها ما لم يتبين الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان، والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة
(1) راجع إحياء علوم الدين (161/ 1، 162).