الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧١قنطرة الصلاة
355
تصفر وجوههم وترتعد فرائصهم وكل ذلك غير مستبعد؛ فإن أضعافه مشاهدة في همم بني الدنيا، وخوف ملوك الدنيا مع ضعفهم وعجزهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم، حتى يدخل الواحد منهم على ملك أو وزير ويحدثه بمهمة ويخرج من عنده، ولو سئل عن من حوله، أو عن ثوب الملك، لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه بنفسه عن ثوبه وعن الحاضرين حوله، {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (1) فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه،
يوم
وخشوعه، وتعظيمه، فإن موضع نظر الله سبحانه القلوب دون سائر الحركات. ولذلك قال بعض الصحابة: يحشر الناس القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة الطمأنينة والهدوء، من ومن وجود النعيم بها، واللذة. ولقد صدق؛ فإنه يحشر كلّ على ما مات عليه، ويموت على ما عاش عليه، ويراعي في ذلك حال قلبه لا حال، شخصه فمن صفات القلوب تصاغ الصور يوم القيامة في الدار الآخرة، ولا ينجو منها إلا من أتى الله بقلب سليم وبالله التوفيق"
الجملة الثالثة:
عز
في بيان الدواء النافع في حضور القلب: اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظماً الله وجل، وخائفاً منه، وراجياً ومستحييّاً من تقصيره، ولا ينفك من هذه الأحوال بعد إيمانه، وإن
كان قوتها بقدر قوة يقينه، فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرق الفكر وتقسم الخاطر / وغيبة القلب عن المناجات، والغفلة عن الصلاة، ولا يلهى عن الصلاة إلا الخواطر الواردة [1/ 397) الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر، ولا يدفع الشيء إلا بدفع سببه، وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً.
أما الخارج:: فما يقرع السمع أو يظهر للبصر؛ فإن ذلك قد يتخطف الهم حتى يتبعه ويتصرف فيه ثم تنجز منه الفكرة إلى غيره، ويتسلسل فيكون الإبصار سبباً للأفكار ثم تصير بعض تلك الأفكار سبباً للبعض فمن قويت رتبته وعلت همته لم يلهه ما يجري على حواسه، ولكن الضعيف لا بد أن يتفرق به فكره وعلاجه قطع هذه الأسباب بأن يقصر نظره في موضع سجوده، أو على طرف أنفه، وأن يقرب من غض البصر حتى لا يحقق النظر، أو يصلي في بيت مظلم، أو لا يترك بين يديه ما يشغل حسه، أو يقرب من حائط عند صلاته حتى لا تتسع بصره. ويحترز من الصلاة على الشوارع والطرق وفي المواضع المنقوشة المصبوغة، وعلى الفرش المصنوعة، ولذلك كان المتعبدون يتعبدون في بيت مظلم صغير، سعته بقدر
مسافة
(1) سورة الأنعام الآية: 132. (2) راجع إحياء علوم الدين في الفصل (163/ 1).
قناطر الخيرات ج/ 1/ 24