الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٢[398/ب]
356
قنطرة الصلاة
السجود، ليكون ذلك أجمع للهمم، والأقوياء كانوا يحضرون المساجد، ويغضون البصر، ولا يجاوزون به موضع السجود ويرون كمال الصلاة في أن يعرفوا من على يمينهم وشمالهم. وكان ابن عمر لا يدع في موضع الصلاة مصحفاً ولا سيفاً إلا نزعه، ولا كتابة إلا
محاها.
وأما الأسباب الباطنة: فهي أشد؛ فإن من تشعبت به / الهموم في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد بل لا يزال يطير من جانب إلى جانب وغض النظر لا يغنيه في ذلك، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف في الشغل فهذا طريقه أن يرد النفس قهر إلى فهم ما يقرأه في الصلاة، ويشغلها به عن غيره أو يعينه على ذلك بأن يستعد له قبل تكبيرة الإحرام ولو بطرفة عين ذكر الآخرة، وموقف المناجات، وخطر المقام بين يدي الله سبحانه، والعرض عليه، وهول المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة من جميع ما يهمه فلا يترك لنفسه شغلاً يلتفت إليه خاطره.
قال الأوزاعي: كانوا يستحبون ذكر المعاد وشبهه عند حضور الصلاة فإنه قلما قام رجل
إلى الصلاة وقلبه مشغول بشيء إلا غلب عليه في صلاته.
(1)
وقد روي عن النبي عليه السلام قال لعثمان بن شيبة: إني نسيت أن أقول لك تخمر القربتين اللتين في البيت. أو قال: القدر الذي في البيت فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم.
فهذا طريق تسكين الأفكار، فإن كان لا يسكن هائج أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي يقطع مادة الداء من أعماق العروق، وذلك أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة له عن إحضار القلب، ولا شك أنها تعود إلى مهماته وأنها إنما صارت مهما بشهواته، فيعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات بقطع تلك العلائق، فكل ما يشغله عن [399/ بصلاته فهو ضد دينه وجند إبليس عدوه، فإمساكه / أضر عليه من إخراجه، فيتخلص عنه بإخراجه كما روي أنه لما لبس الخميصة التي أتاه بها أبو جهم وعليها علم فصلى بها ثم نزعها بعد صلاته وقال: اذهبوا بها إلى أبي جهم؛ فإنها الهتني آنفاً عن صلاتي، وأتوني
(1) في الأصل: القرآن الذي في البيت والتصويب من المغني، وقال العراقي فيه (164/ 1): رواه أبو داود من حديث عثمان الحجبي وهو عثمان بن طلحة كما في مسند أحمد ووقع للمصنف (أي الغزالي) أنه قال ذلك لعثمان بن شيبة (كما هنا عند الجيطالي) وهو وهم.