قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٧٤

358

قنطرة الصلاة

وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار، وكانجذاب الذباب إلى الأنجاس والأقذار، والشغل يطول في دفعها؛ فإن الذباب كلما ذُبَّ آب، ولأجله سمي ذباباً. فكذلك الخواطر وهذه الشهوات كثيرة، وقلَّ ما يخلو العبد منها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة، وأساس كل نقصان، ومنبع كل فساد، ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها ليتزودها وليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجات في الصلاة؛ فإن من فرح بالدنيا فلا يفرح بالله سبحانه وبمناجاته، وهمة الرجل مع قرة عينه، فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه، ولكن مع [401 / ب] هذا فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ورد القلب إلى الصلاة وتقليل الأسباب الشاغلة فهذا / هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع فبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضالاً حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثون فيهما أنفسهم بشيء من أمر الدنيا فعجزوا عن ذلك، وذلك لا مطمع فيه لأمثالنا، وليته يسلم لنا من الصلاة شطرها أو ثلثها عن الوسواس لنكون ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

وعلى الجملة فهمة الدنيا وهمة الآخرة في القلب مثال: الماء الذي يصب في قدح فيه خل فبقدر ما يدخل فيه من الماء يخرج الخل لا محالة ولا يجتمعان. فنسأل الله العفو والعافية مما ابتلينا به من الشهوات إنه مقيل العثرات (1).

الفصل الثالث من هذا الباب في بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب

عند كل ركن وشرط من الأعمال

اعلم أيها المسترشد لسلوك طريق الآخرة أنه ينبغي لك أن لا تغفل أولاً. التي في شروط الصلاة وأركانها.

عن

التنبيهات

أما الشروط والسوابق فهي الأذان والطهارة وستر العورة، واستقبال القبلة،

والانتصاب قائماً، والنية. أما الأذان: فإذا سمعت نداء المؤذن فاحضر في قلبك هول النداء يوم القيامة، وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة؛ فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء فإن وجدته مملوء بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار، فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم ا

(1) راجع إحياء علوم الدين (165/ 1).

القضاء.