الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٦360
قنطرة الصلاة
العبد إلى صلاته فكان هواه ووجهه وقلبه إلى الله عز وجل انصرف كيوم ولدته أمه (1). وأما الانتصاب قائماً فإنما هو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله عز وجل، وليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً مطأطئاً مستكيناً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيهاً على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبراء عن الترأس والتكبر، وليكن على قلبك هاهنا ذكر خطر المقام بين يدي الله عز وجل، وهول المطلع عند التعرض للسؤال، واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله عز وجل وهو مطلع عليك. فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله وعظمته تعالى، بل قدّر في دوام قيامك في صلواتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالثة من رجل صالح من قومك وأهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح؛ فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك، وتخشع جوارحك وتسكن جميع أجزائك خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع، وإذا أحسست من نفسك بالتماسك، عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله تعالى وحبه، أفلا تستحيين من اجترائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده، وتخشى الناس ولا تخشاه وهو أحق أن [404/ب] تخشاه. ولذلك لما قال أبو هريرة: كيف الحياء من الله؟ فقال: فاستحي منه كما / تستحي من الرجل الصالح من أهلك» (2).
وأما النية: فاعزم على إجابة الله عز وجل في امتثال أمره بالصلاة، وإتمامها، والكف عن نواقضها ومفسداتها، والإخلاص بجميع ذلك لوجه الله سبحانه، رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه وطلباً للقربة متقلداً للمنة منه تعالى؛ لإذنه لك في المناجات مع سوء أدبك، وكثرة عصيانك وعظم نفسك، قدر مناجاته وانظر من تناجي وكيف تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف.
وأما التوجيه: فأول كلماته قولك: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وليس المراد بالوجه وجه ظاهر البدن؛ فإنك إنما وجهته إلى جهة القبلة والله سبحانه مقدس أن تحده الجهات حتى تقبل بوجه بدنك إليه. وإنما وجه القلب هو الذي يتوجه به إلى فاطر السموات والأرض، فانظر إليه أهو متوجه إلى أمانيك وهممك في البيت والسوق متبع
عن
(1) قال العراقي في المغني (166/ 1): لم أجده. (2) رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في الشعب من حديث سعيد بن زيد مرسلاً بنحوه، وأرسله البيهقي بزيادة ابن عمر في السند، وفي العلل للدارقطني عن ابن عمر له وقال: إنه اشبه بالصواب لوروده
من حديث سعيد بن زيد أحد العشرة. قاله العراقي في المصدر السابق.