قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٨

22

مقدمة المؤلف

فأذلتهم، والأماني فأضلتهم، فيا ليتهم اكتسبوها من أبوابها، وأكلوها من أسبابها، ولكنهم أخذوها عوضاً عن الدين وثمناً بخساً لسير أشياخنا الأولين.

استحوذ على أكثرهم الشيطان، واستغواهم الطغيان، فأصبح كل يعاجل حظه مشغوفاً،

فصار المنكر من أجل ذلك عندهم معروفاً، حتى ضاعت حدود الدين، وامحت آثار السلف والصالحين، فأصبح منار الدين، مندرساً، وصار الهدى في أقطار الأرض منطمساً، ولقد خيلوا للخلق الأعلم الإفتواء حكومة يستدرج بها العوام، إذا لم يروا ما سواها مصيدة للحرام وشبكة

للحطام. وأما علم طريق الآخرة، وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله تعالى في كتابه علماً

وفقهاً وحكمة ونوراً وهداية ورشداً، فقد أصبح بين الخلق مطوياً وصار نسياً منسيّاً. ثم إني نظرت في كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وما دونه السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - من الآثار، والسير في الدفاتر والأسفار فوجدت في ذلك علماً اتضح عندي برهانه وحقيقته وأيقنت بالفوز والنجاة لمن انتحله وعمل به وهو العلم بحدود التقوى من الورع عن محارم الله عز وجل، والقيام بحدوده وتصفية القوت والقلوب من

مکارهه.

من

أجله عليّ

فرأيت انتحال ذلك، والعمل بحدوده واجباً علي والحجة العظمى قائمة [1/ 25] وعلى جميع من فهمه إذا كان ذلك / دين الله القوي والحق المبين، وعليه مضى أسلافنا وسائر

المتقين.

ثم إني نظرت في أحوال، دهرنا فرأيته دهراً مستصعباً تبدلت فيه شرائع الإيمان، وانتقضت فيه عرى الإسلام واندرست فيه حدود الدين بالكلية، ورأيت فتناً متراكبة يحار فيها اللبيب، وديناً مندرساً لا داع إليه ولا مجيب، وقد عميت عن الآخرة بصائرنا، وامتلأت بحب الدنيا ضمائرنا، فخشيت الانسلاخ من الأمر كله فرأيت التمسك بالقليل خير من ذهاب الجميع وإن كان لا عذر لأحد في تضييع شيء من أوامر الله تعالى، ولا ارتكاب شيء من مناهيه ولكن سداد من عوز؛ لأنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [أنه] (1) قال لأصحابه: «سيأتي بعدكم قوم، إن تَمَسَّكُوا بعشر ما أنتم عليه نجوا».

فدعاني ما ذكرت إلى تأليف كتاب اشرح فيه - إن شاء الله تعالى ـ بعض شرائع الدين،

(1) كلمة يقتضيها السياق.