الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٩القنطرة الرابعة قنطرة أسرار الصوم
(1)
الشهوات
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنّة بأن جعل الصوم لأوليائه من الشيطان حصناً وجنة، وفتح لهم من أجله أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم هي المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، والصلاة على نبينا محمد قائد الحق وممهد السنة، وعلى آله وصحبه أهل العقول المرجحة.
أما بعد: فإن الله سبحانه فرض على عباده الصيام وقدمه على زكاة الأموال لتعلق الصيام بالأبدان، فكان في إيجابه الصوم عليهم حثاً على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم لما قد قاسوه من شدة المجاعة في حال صومهم، ثم لما في الصوم من قهر النفس، وإذلالها، وكسر الشهوة المستولية عليها وإعلام النفس بأنها محتاجة إلى يسير من الطعام والشراب تسد
بها فاقتها.
فكان الصوم على هذا المعنى قمعا للشهوات ووسيلة الرحمة والعطف على ذوي الحاجات؛ إذ قال: معاشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم / يستطع [1/ 455] فليصم فإن الصوم له وجاء». يعني خصاء وذلك كناية عن كسر الشهوة.
وقيل ليوسف عليه السلام: أتجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع
فأنسى الجائع.
والصوم
سبب للجوع الذي هو منبهة على رحمة، الفقراء، وباب للعبادة التي هي وسيلة
السعداء، ومقمعة للشيطان الذي هو
أعدا الأعداء، إذ بواسطة الشهوة يتوصل إلى الإغواء
وإضلال الأشقياء، وإذ عظمت منفعته للعباد وجلّت مرتبته في الشرع الذي هو زاد المعاد.
فلنرسم فيه خمسة أبواب:
(1) وأسراره من كتاب الغزالي وغيره.