الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٢26
مقدمة المؤلف
يقصر عنه إلى نقصان وبه يمتاز الإنسان من سائر الحيوان فإذا تمَّ في الإنسان سُمَّي عاقلاً و خرج به إلى حد الكمال.
كما قيل عن صالح بن عبد القدوس أنه قال:
إذا تم عقل المرء وتمت أموره وتم إياديه وتم بناؤه
وروي عن الضحاك في قوله تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيَا (1).
أي من كان عاقلاً.
واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى فقال: قوم هو جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات.
واختلف من قال بهذا في محله. فقالت طائفة: محله الدماغ؛ لأن الدماغ محل الحس.
وقال آخرون: محله القلب، لأن القلب معدن الحياة، ومادة الحواس.
وفي آثار قومنا عن علي بن أبي طالب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلق الله سبحانه [1/ 29] العقل / من نور مكنون في غامض علمه من حيث لا يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فجعل الزهد رأسه والخير، سمعه والحياء عينه والرأفة قلبه والعلم فهمه، والبصر طبعه، ثم
عز
قال له: أقبل فأقبل فكان إقباله إقبالاً، ثم قال له: ادبر فأدبر فكان إدباره إدباراً فقال له وجل: فوعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً قط أكرم عليّ منك ولا أحسن منك ولا أحب إليَّ منك، بك آخذ وأعطي، وبك أعبد وبك أعرف ولك الثواب وعليك العقاب. قال: فخر العقل ساجداً، فمكث في سجوده ألفي عام، فقال له عز وجل: ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع، قال: اللهم سيدي بحقك على خلقك ألا شفعتني فيمن خلقتني فيه؟ قال: فذلك لك (2). وقال: «من أتي العقل فقد أتي خيراً كثيراً، وإنما العاقل من عقل عن الله تعالى أمره ونهيه، ومن لم يكن كذلك فليس بعاقل حتى قال بعض العلماء فيمن أوصى بثلث ماله لأعقل الناس أن يصرف في الزهاد؛ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل.
وعنه عليه السلام قال: أكمل الناس عقلاً أطوعهم الله، وأعلمهم بطاعته، فلا يعجبنكم إسلام رجل حتى تعلموا عقله (3).
(1) سورة يس الآية: 70.
(2) بنحو هذا الطرف ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (455/ 1).
(3) أطرافه في: إتحاف السادة المتقين (458/ 1)، تاريخ بغداد (40/ 13)، الفوائد المجموعة (478).