الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣مقدمة المؤلف
وقال: أمرنا معشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم (1).
27
فإن قيل: إن كان العقل عرضاً فكيف خلق قبل الأجسام؟ وإن كان جوهراً فكيف يكون جوهراً قائماً بنفسه لا يتخير؟
قيل له: إن هذا من العلم الغامض الذي لا يطلع عليه إلا الأنبياء، أو الروحانيون (2)، وقد أبطل الماوردي في كتابه هذا القول بهذه العلة.
وقال قوم: العقل غريزة يتهيأ بها درك العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية حكي هذا عن / الحارث المحاسبي، فكأنه أشار إلى أن العقل نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك [30/ب]
الأشياء.
ونسبة هذه الغريزة إلى العلوم، نسبة العين إلى الرؤية ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في انكشاف العلوم نسبة نور الشمس إلى البصر، وهذا الوصف هو الذي يفارق
الإنسان.
ذات
وقال آخرون: العقل بعض العلوم الضرورية أراد العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذا الطفل الصغير المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكبر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين.
وقالت الطائفة: العقل هو جملة العلوم الضرورية من وجوب الواجبات، وجواز
الجائزات واستحالة المستحيلات.
وقال بعضهم: العقل هو العلم بالمدركات الضرورية وذلك نوعان:
أحدهما ما وقع عن درك الحواس الخمس:
كالمدركات بالبصر، والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم والأجسام المدركة باللمس، فإذا كان الإنسان ممن يدرك بحواسه هذه الأشياء ثبت له هذا النوع من العلم، وكان عاقلاً، لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بها، ويعلم لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم.
(2)
(1) طرفه في: إتحاف السادة المتقين (342/ 1). من المعلوم أن هناك علوماً لا يطلع عليها إلا الأنبياء كقوله: لو علمتم ما أعلم. .... وليس هناك ما يطلع عليه أحد سواهم غير ما هو علم لدني كعلم الخضر ولكن لهذا العلم اللدني حدود يجب أن لا يتعدى فيه ما شرع في الظاهر، فلا يتعلق متعلق بمثل هذه العبارة.