الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٤418
قنطرة أسرار الصوم
الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار؛ حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في ليله قدرة وقوة من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده من العبادة فعسى الشيطان لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت.
وقد قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةِ (1).
ثم قال: فِيْهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (2).
ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلة من الطعام فهو عن ذلك محجوب، ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب عن قلبه ما لم يخل همته عن غير الله عز وجل، وذلك هو الأمر المطلوب من الإنسان المكلف المملوك المستعبد لربه تعالى وبالله التوفيق. ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله.
السادس: أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدري أتقبل صومه فهو من المقربين أم رُدَّ عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة حالاته. فرغ منها بل في جميع وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه مرَّ بقوم يوم العيد وهم يضحكون فقال: إن الله
عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق أقوام فغاروا وتخلف أقوام [474/ب] فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم / الذي فاز فيه المسارعون، وخاب فيه المبطلون (3)، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
وفي كتاب الغزالي: أي لكان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود يسد عليه باب الضحك. وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له: إنك شيخ كبير فإن الصيام يضعفك. فقال: إني لأعده لشر يوم طويل، فالصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه. فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم وبالله التوفيق.
أما صوم الأولياء الصديقين: فهو صوم القلب وإمساكه عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية
وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالتفكر فيما سوى
(1) سورة الدخان الآية: 3.
(2) سورة الدخان الآية: 4.
:
(3) في الأصل المباطلون والتصويب من الإحياء (236/ 1). .
الله