الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥819
قنطرة أسرار الصوم تعالى واليوم الآخر بالتفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك زاد الآخرة، وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة، فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود، لأنه قيل: سيئات الصديقين حسنات الأبرار الصالحين.
فهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين الذين أقبلوا على الله عز وجل بكلية قلوبهم وأعرضوا عما سواه بجميع هممهم امتثالاً لقوله تعالى: {قُلْ اللَّهُ ثُمْ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يلْعَبُونَ) (1).
فهؤلاء
هم
الذين راعوا من الصوم ما يقع به من الله لهم القبول الذي هو وسيلتهم إلى وصول المقصود ففهموا أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أوصاف الله عز وجل وهو الصمد؛ لأنه تعالى الصمد الذي يطعم ولا يطعم والاقتداء بالملائكة / في الكف عن الشهوات [1/ 475]
بحسب الإمكان فإن الملائكة منزهون عن الشهوات والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته، وهي أيضاً دون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه، وكونه مبتلى بمجاهدته فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بجملة البهائم، وكلما قمع شهوته ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة الذين هم مقربون من الله تعالى، والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله تعالى بقربهم، فإن الشبيه من الشبيه قريب وليس القرب بالمكان بل بالصفات على قدر الإمكان. فإذا كان سر الصوم هذا عند أهل الألباب وأصحاب القلوب، فأي منفعة في: تأخير أكلة، أكلتين عند العشاء الانهماك مع في الشهوات طوال النهار. وإن كان فيه كثير منفعة وجدوى، فأي معنى لقوله عليه السلام: رب صائم حظه. من صومه الجوع والعطش (2).
وجمع
ولهذا قال أبو الدرداء فيما روي عنه: يا حبذا صوم الأكياس وفطرهم كيف يعيبون صوم الحمقى وسهرهم، ولذرة من ذي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من
المغترين.
ولذلك قال بعض العلماء: كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم، فالمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن المعاصي، ويأكل ويشرب.
(1) سورة الأنعام الآية: 91.
(2)
سبق التعليق عليه قبل قليل.
قناطر الخيرات ج/ 1/ 28