الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧قنطرة أسرار الصوم
421
في
فهذه الأشهر الحرم والأيام هي زمن الصيام بعد رمضان وهي أوقات فاضلة. يستحب فيها الصوم وتكثير الخيرات ليضاعف أجورها ببركة هذه الأوقات ونحن نحصرها إن شاء الله خمسة فصول ليسهل على الطالب قصدها ويتحصل للراغب فضلها.
الفصل الأول: في فضيلة يوم عرفة
اعلم أن صوم يوم عرفة مستحب لمن ليس واقفاً بعرفة وهو حاج، لما روي عن النبي
عر
عليه السلام أن سئل عن صوم يوم. رفة فقال: يكفر السنة الماضية والآتية (1). وفي حديث آخر عنه أنه قال: من صام يوم عرفة غفر الله له سنة خلفه وسنة أمامه». وروي عن إبراهيم النخعى أنه قال صوم يوم عرفة كفارة سنتين سنة قبله وسنة بعده. وروي عن عطاء ومجاهد أنهما قالا: كنا لا نصوم عرفة حتى بلغنا أنه كفارة لهذه السنة والسنة الماضية وصمناه.
عائشة وروي عن
رضي!
الله عنها أنها قالت ما من يوم في السنة أحب إلي أن أصومه من يوم عرفة. وروي أنه دخل عليها رجلان يوم عرفة فقالت: يا جارية أخرجي لهما عسلاً فلولا إني صائمة لذقته فقال: يا أم المؤمنين / إنما منعنا من صيام هذا اليوم أنا خفنا أن يكون يوم [1/ 478]
النحر. قالت: غداً يوم ينحر الناس وجماعة المسلمين.
وأما من وقف بعرفات فلا يستحب له صيام يوم عرفة لئلا يضعفه عن الوقوف والدعاء والذكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك صومه ليتأسى بذلك أهل الموسم كما ورد في الحديث: أن أناساً تماروا عند أم الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس رضي الله عنه في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: هو صائم. وقال آخرون: ليس بصائم. قال: فبعثت إليه أم الفضل بقدح من لبن وهو واقف على بعيره فشرب. وإنما فعل ذلك عليه السلام للرفق بالناس الذين أجهدهم السفر فخاف عليهم أن يضعفوا عن الوقوف والذكر. وأما من قوي على صيامه هناك فصيامه أفضل لما روي عن القاسم بن محمد: أن عائشة رفة يدفع الإمام ثم تقف حتى
عر
كانت تصوم يوم عرفة، قال القاسم: ولقد رأيتها عشية يوم يبيض ما بينها وبين الناس من الأرض ثم تدعو بشراب ثم تفطر والله أعلم.
(1) أطراف هذا الحديث عند مسلم في الصحيح (الصيام (197)، وأحمد في المسند (297/ 5)، والبيهقي
في السنن (283/ 4)، والبغوي في السنة (343/ 6).