قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٤٥

قنطرة أسرار الصوم

429

وأما صوم الدهر: فهو شامل لما قدمنا من صيام عدد الأيام، وغيرها من الشهور، وقد كره ذلك بعضهم لقوله عليه السلام: (من صام الدهر فلا صام ولا أفطر (1). والصحيح أنه إنما

يكره لشيئين:

أحدهما: أن لا يفطر في العيدين وأيام التشريق فهي الدهر كله. والآخر: أن يرغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صومه بعض الأيام وإفطاره في بعضها، ثم

مع

أن

تؤتى

يجعل هو صيام الدهر حجراً لازماً لنفسه، ولا يفطر فيه أن الله سبحانه يحب رخصه كما يحب أن تمثل عزائمه فأما إذا لم يكن شيء من هذين الأمرين ورأى الإنسان صلاح نفسه في صيام الدهر فليفعل ذلك ولا بأس به فقد روي عن جماعة من الصحابة [1/ 489] والتابعين أنهم فعلوه. وقد روي عن النبي عليه السلام من طريق أبي موسى الأشعري أنه قال: (من صام الدهر كله ضيقت عنه جهنم. قيل: معناه لم يكن له فيها موضع.

(Y)،

وروي عن عبد الله بن عمر عنه أنه قال: «صوم نوح عليه السلام الدهر إلا يوم الفطر والأضحى، وصيام داود نصف الدهر، وصيام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر

الدهر».

فصوم داود عليه السلام هو أشد على النفس وأقوى في قهرها، لأن العبد فيه بين صبر

يوم وشكر يوم.

وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: عرضت عليّ خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت: يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً، أحمدك إذا شعبت وأتضرع إليك إذا جعت (3). ولهذا قال عليه السلام أفضل الصيام صوم أخي داود عليه السلام فإنه كان.

ويفطر يوماً».

يصوم يوماً

(1) الأحاديث الدالة على كراهية صيام الدهر رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو في حديث له لا صام من صام الأبد، ولمسلم من حديث أبي قتادة قيل: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر قال: لا صام ولا أفطر، والنسائي نحوه من حديث عبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وعبد الله بن الشخير. قاله العراقي في المغني (238/ 1). (2) رواه أحمد، والنسائي في الكبرى، وابن حبان، وحسنه أبو علي الطوسي. قاله العراقي في المغني (239/ 1). (3) رواه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً. وقال حسن. قاله العراقي في المصدر السابق.