قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٤٦

430

قنطرة أسرار الصوم

ومن ذلك منازلته عبد الله بن عمر في الصوم حين قال له: «ألم أخبرك أنك تقوم

الليل وتصوم النهار؟ قال: بلى قال: فلا تفعل نم وقم وصم وافطر فإن لنفسك عليك حقاً ولضيفك عليك حقاً وأنه عسى أن يطول بك عمر فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة فذلك [490/ب] صيام الدهر فالحسنة بعشر أمثالها. قال: إني أجد قوة قال: «صم من كل جمعة ثلاثة أيام. قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم صيام نبي الله داود عليه السلام». قال: وما صوم داود؟، قال: نصف الدهر، وهو أعدل الصيام عند الله تعالى

[491/ب]

(1)

وقد روي أنه، ما صام شهراً كاملاً قط إلا رمضان ومن لا يقدر على صوم الدهر أو نصفه فلا بأس بثلثه وهو أن يصوم يوماً ويفطر يومين، فإذا صام ثلاثة أيام من أول الشهر وثلاثاً من أوسطه وثلاثاً من آخره فهو ثلث واقع في الأوقات الفاضلة، فإن صام الإثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث، فإذا ظهرت أوقات الفضيلة فالكمال في أن يفهم الإنسان معنى الصوم، وأن مقصوده تصفية القلب وتفريغ الهمة الله عز وجل فإذا فهم ذلك فلينظر إلى أحواله فقد يقتضي الحال دوام الصوم، وقد يقتضي دوام الإفطار ما خلا الفريضة من الصوم، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم فإذا فهم المعنى وتحقق جده في سلوك طريق الآخرة بمراقبة القلب لم يخف عليه صلاح قلبه، وذلك لا يوجب ترتيباً مستمراً.

ولذلك روي!

يصوم،

أنه عليه السلام كان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا وينام حتى يقال لا يقوم، ويقوم حتى يقال لا ينام (2). وذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوة

من القيام بحقوق الأوقات.

(2)

وقد كره العلماء أن يوالي الإنسان بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديراً ليوم العيد مع أيام التشريق وذكروا أن ذلك يقسي القلب ويولد رديء العادات ويفتح أبواب الشهوات، ولعمري هو. كذلك في حق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم والليلة مرتين أو أكثر والله نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه من القول والعمل

(3)

اعلموا أرشدكم الله أني إنما أوردت الأحاديث المتقدمة في فضل صلاة الأيام والليالي

(1) أخرجاه من حديثه. المصدر السابق.

(2) أخرجاه من حديث عائشة، وابن عباس دون ذكر القيام والنوم، والبخاري من حديث أنس: كان يفطر من شيئاً ويصوم حتى يظن أن لا يفطر منه شيئاً وكان لا تشاء تراه من الليل

الشهر حتى يظن أن لا يصوم منه

مصلياً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته. المصدر السابق.

(3) راجع في الباب إحياء علوم الدين (238/ 1، 239).