الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥[32]
29
مقدمة المؤلف
وإذا مزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتها هو العقل المكتسب، كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل وجودة الرأي، ولذلك قالوا: عليك بالحديث السن الحديد الذهن.
وقالت العرب: عليكم بمشاورة الأحداث فإنهم ينتجون رأياً لم يفله طول القدم، ولا
استولت عليه رطوبة الهرم.
وأنشد الماوردي لبعض الشعراء:
رأيت العقل لم يكن انتهاباً ولم يقسم على عدد السنينا / ولو أن السنينا تقاسمته الآباء انصبت البنينا وي
وروي عن الأصمعي أنه قال: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فامتنعني بفصاحته وملاحته: أيسرك أن تكون لك مائة ألف درهم وإنك أحمق؟ قال: لا والله. قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني عَلَيَّ حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى
علي حمقي.
،
فانظر إلى هذا الصبي كيف استخرج بفرط ذكائه ما لعله يدق على من هو أكبر منه سناً
وأكثر منه تجربة.
وحكي عن ثمامة بن أشرس أنه أخبر أن المأمون تفرد يوماً في بعض تصيده، فانتهى إلى بعض بيوت أهل البادية، فرأى صبياً يربط (1) قربة، وقد غلبه وكاؤها وهو يقول: يا أبت
اشدد فاها فقد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها.
قال: فوقفت عليه المأمون. فقال: ممن تكن؟ فقال: من قضاعة. قال: من أيها؟ قال: من كلب؟ قال: وإنك من الكلاب؟ قال: لسنا هم ولكن قبيل يدعى كلبا. قال: فمن أيهم أنت؟ قال: من بني عامر قال: من أيها؟ قال: من الأجداد ثم من بني كنانة. قال: فمن أنت يا خالي فقد سألتني عن نسبي؟ فقال: ممن تبغضه العرب كلها. قال: فأنت إذاً من نزار؟ قال: أنا ممن تبغضه نزار كلها. قال: فأنت إذاً من قريش؟ قال: أنا ممن تبغضه قريشاً كلها. قال: فأنت إذا من بني هاشم؟ قال: أنا ممن تحسده بنو هاشم كلها. قال: فأرسل فم القربة، فقام إليه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله تعالى وبركاته وضرب بيده إلى شكيمة الدابة وهو يقول:
(1) في الأصل: يضبط. والسياق يقتضي ما أثبت.