الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧مقدمة المؤلف
31
ومن غير هذا الفن وإن كان مسكتاً حكي أن إبليس لعنه الله حين ظهر لعيسى ابن مريم
/ عليه الصلاة والسلام.
فقال: ألست تقول لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم. قال: فارم نفسك إذاً من ذروة هذا الجبل فإنه إن قدرت لك السلامة تسلم فقال له: يا ملعون، إن الله يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر رَبَّه.
ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء الله الذين أمدهم بوحيه، وأيدهم بنصره، وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره، ويعوّل على بديهته.
فإذا اجتمع هذان الوجهان في العقل المكتسب وهو ما ينميه فرط الذكاء بجودة الحدس وصحة القريحة بحسن البديهة ما مع ينميه الاستعمال بطرق التجارب ومرور الزمان بكثرة الاختبار، فهو العقل الكامل على الإطلاق من الرجل الفاضل بالاستحقاق؛ وذلك أن تنتهي قوة الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوات الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوة، صاحبها عاقلاً. من حيث إن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر
سمي
في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة.
فهذا أيضاً من خواص الإنسان التي بها يتميز من الحيوان:
فالأول: هو الأصل ـ أعني الغريزة ..
والثاني: هو فرع - أعني العلوم الضرورية ..
والثالث: هو فرع الأول والثاني - أعني علوم التجارب، إذ بقوة الغريزة والعلوم
الضرورية تستفاد علوم التجارب.
والرابع: هي الثمرة الأخيرة وهي الغاية القصوى، فالأولان بالطبع، والأخيران
بالاكتساب.
وحكي عن سابور بن أزدشير (1) أنه قال: العقل عقلان: أحدهما: مطبوع، والآخر
(1) في الأصل: سابور بن أزدشير، والتصويب من سير أعلام النبلاء وقال مؤلفه: الوزير الأوحد البليغ بهاء الدولة أبو نصر، وزر لبهاء الدولة ابن عضد الدولة، وكان شهماً مهيباً كافياً جواداً ممدحاً، له ببغداد دار علم [أي دار كتب توفي سنة ست عشرة وأربع مائة عن ثمانين سنة ..... وقد مدح سابور الببغاء
وطائفة.
[34/ب]