الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢22
قنطرة الزكاة
فكانوا لا يتوقفون الدعاء منه؛ لأنه شبه المكافأة فكانوا يقابلون الدعاء بمثله، وهكذا فعل
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله فيما بلغنا فهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم، ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة. ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها هذا من حيث العمل، وذلك من حيث العلم، ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل، وهذه الشريطة من الزكاة تجري مجرى الخشوع الصلاة، وثبت ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صدقة منان» (1). وبقوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنْ وَالأَذَى (2). وإنما فتوى الفقيه بوقوعها
من
موقعها وبراءة ذمته منها دون هذا الشرط والله أعلم (3).
(Y)،
الثامنة: أن يظهر الصدقة حيث يعلم أن الاظهار ترغيباً للناس في الاقتداء ويحرس سره
عن داعية الرياء فقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ. أي تظهروها.
نَنِعِمَّا هِي أي نعمت الخصلة. {وَإِنْ تُخْفُوهَا أي تسروها ﴿وَتُؤْتُوهَا أي تعطوها الْفُقَرَاءَ في السر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (4) وأفضل، وكلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقة، ولكن [27/ب] صدقة السر أفضل، وفي التفسير قال أهل المعاني: هذه / الآية في صدقة التطوع لإجماع العلماء أن الزكاة المفروضة إعلانها أفضل، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل من إفرادها، وكذلك سائر الفرائض لمعنيين أحدهما ليقتدي به الناس والثاني لئلا يسو به الظن، ولا رياء في
الفرض.
وأما النوافل والفضائل فاخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات، فهكذا ينبغي لصاحب الزكاة أن يبديها حيث يقتضي الحال الإبداء للاقتداء ولازالت التهمة، وكذلك إذا سأل السائل على ملأ من الناس فلا ينبغي له أن يترك الصدقة خوفاً من الرياء في الإظهار بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان وهذا لأن في الإظهار محذوراً (5).
(1) طرفه عند الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (123/ 4، (119) وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (217/ 1) لم أجده.
(2) سورة البقرة الآية: 264.
(3) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين للغزالي (217/ 1 (218)، فهو فيه بنصه إلا تغيير يسير جداً في
بعض الأحرف.
(4) سورة البقرة الآية: 71.
(0) ذكر نحوه الغزالي في الإحياء مختصراً (216/ 1، 217).