الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٣قنطرة الزكاة
23
ثالثاً: سوى المن والرياء وهو هتك سر الفقير، فإنه ربما يتأذى أن يُرى في صورة المحتاج، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر فيه هذا المعنى في إظهاره بالصدقة عليه، وهذا كظاهر الفسق على من تستر به وتاب منه لأن إشاعة الفسق عنه، وإظهاره حرام محظور والتجسس فيه والاغتياب بذكره منهي عنه.
فأما من أظهره بنفسه فإقامة الحدّ عليه إشاعة ولكن هو السبب فيها ولمثل هذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له (1).
من
(2)
وقد قال الله تعالى: {وَانفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةٌ (2). ندب إلى العلانية لما فيه فائدة الترغيب فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيها (3) من الرياء وحب الشهرة والسمعة؛ لأنه مهما كانت الشهرة مقصودة حبط عمله؛ لأن الزكاة إزالة للبخل وتهوين / لحب المال في القلب فحب الشهرة لاجتلاب الجاه أشد استيلاء على النفس من [1/ 28] حب المال، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة.
وقد يقال: صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقرباً لادغاً، وصفة الرياء تنقلب أفعى من الأفاعي والإنسان مأمور بتضعيفهما من نفسه أو قتلهما بدفع أذاهما، فمهما قصد الرياء والسمعة، فكأنه جعل بعض أطراف العقرب قوة للحيّة فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية، ولو ترك الأمر كما كان عليه من البخل لكان أهون عليه وقوة هذه الصفات إنما تضعف بمجاهدتها ومخالفاتها والعمل بخلاف مقتضاها فأي فائدة في أن يخالف داعية البخل ويجيب داعية الرياء فيضعف الأذى ويقوي الأقوى (4)، وليكن متيقظاً لهذه الغوائل ومتفطناً لما في الإعلان من الفوائد فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فقد يكون الإعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل (5)، والله تعالى أعلم.
(?)
التاسعة: أن يطلب بصدقته من فقراء أهل الولاية من تزكوا به الصدقة فإن عمومهم
(1) ذكره ابن عدي في الكامل، ورواه ابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف. قاله العراقي في
المغني (217/ 1). (2) سورة الرعد (الآية: 22).
(3) إلى هنا في الإحياء بنصه غير هذه الكلمة فإنها في الإحياء (فيه) (217/ 1)، ثم حول الكلام بعد ذلك في نقله فنقل من وظيفة الإسرار (216/ 1).
(4) وكل ما سبق بين الإشارتين السابقة وهذه من الإحياء بنصه (216/ 1). (5) وأغلب العبارات بنصها ما بين الإشارة السابقة وهذه من الإحياء (217/ 1).