الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣قنطرة الزكاة
43
وكما قالت المهاجرون في الشكر: يا رسول الله ما رأينا خيراً من قوم نزلنا عندهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا / بالأجر كله، قال عليه السلام: «كل ما شكرتم لهم [49/ب]
واثنيتم عليهم به أنه مكافأة (1) فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أن ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس اختلاف في المسألة، بل هو اختلاف حال يكشف الغطاء في. هذا لأنا لا نحكم حكماً بتاً بأن الإخفاء أفضل في كل حال، أو الإظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف النيات، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص.
(2)
فينبغي أن يكون المخلص مراقباً لنفسه حتى لا يتدلى بحبل الغرور، ولا ينخدع بتلبيس الطبع ومكر الشيطان، والمكر والخداع أغلب في معان الإخفاء منه في الإظهار أن له دخلاً في كل واحد منهما، فأما مدخل الخداع في الأسرار من ميل الطبع إليه لما فيه من حفظ الجاه والمنزلة وسقوط القدر عن أعين الناس ونظر الخلق إليه بعين الازدراء، وإلى المعطي بعين المنعم المحسن إليه، فهذا هو الداء الدفين المستكن في النفس والشيطان بواسطته يظهر معاني الخير حتى يتعلل بالمعاني الخمسة المتقدمة التي ذكرناها ومعيار كل ذلك ومحكه أمر واحد وهو أن يكون تألمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض أقاربه، وأمثاله: فإنه إن كان يتقي صيانة النفس عن الغيبة والحسد وسوء الظن أو يتقي انتهاك الستر وإعانة المعطي على الإسرار وصيانة العلم عن الابتذال فكل ذلك مما يحصل بانكشاف صدقة أخيه، فإن كان انكشاف أمره أثقل عليه من انكشاف أمر غيره، فتقديره الحذر المعاني أغاليط وأباطيل / من مكر الشيطان وخدعه فإن إذلال العلم محذور من حيث أنه علم [50/ب] لا من حيث أنه علم زيد أو علم عمرو والغيبة محذورة من حيث أنه تعرض لعرض مصون لا من حيث أنه تعرض لعرض زيد على الخصوص ومن أحسن ملاحظة هذا ربما يعجز الشيطان عنه وإلا فلا يزال كثير العمل قليل الحظ.
(r)
من
هذه
وأما جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث أنه تطييب لقلب المعطي واستحثاث له على ميله وإظهاره عند غيره أنه من المبالغين في الشكر حتى يرغبوا في إكرامه وتفقده وهذا داء دفين في الباطن والشيطان لا يقدر على المتدين إلا بأن يروج هذا الخبث في معرض السنة
(1) رواه الترمذي وصححه من حديث أنس، ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم وصححه،
قاله العراقي في المغني (229/ 1).
(2) في الأصل: المنع. والتصويب من الإحياء. (3) في الأصل: العل على. والتصويب من الإحياء.