الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٨58
قنطرة الحج
السيئات، وأنت قاعد، كما قدمنا في الحديث. لكن كره الخائفون من العلماء المحاطين المقام بمكة لمعاني ثلاثة:
أحدها: خوف التبرم والأنس بالبيت فإن ذلك ربما تؤثر في تسكين حرقة القلب في الحرم ولهذا كان عمر رحمه الله يضرب الحجاج إذا حجوا ويقول: يا أهل اليمن يمنكم. ويا أهل الشام شامكم، ويا أهل العراق عراقكم. ولقد روي عن عمر أيضاً: أنه هم بمنع الناس من كثرة الطواف وقال: خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت.
الثاني: تهيج الشوق بالمفارقة لتنبعث داعية الرجوع فإن الله سبحانه جعل البيت مثابة للناس وأمناً؛ أي يثوبون ويعودون إليه مرة بعد أخرى ولا يقضون منها وطراً. وقال بعض السلف: تكون في بلد وقلبك مشتاق إلى مكة متعلق بهذا البيت خير لك من
[1/ 66) أن تكون / فيه وأنت متبرم بالمقام وقلبك في بلد آخر. وقال بعض السلف: كم من رجل بخراسان وهو أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به
والله علم.
الثالث: الخوف من ركوب الخطايا والذنوب بها فإن ذلك شديد الخطر وبالحرى (1) أن
يورث المقت من الله تعالى وذلك لشرف الموضع وعلو درجته.
قال: روي عن مهيب بن الورد المكي قال: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاماً بين الكعبة والأستار يقول: إلى الله أشكو، ثم إليك يا جبريل ما ألقى من الطائغين حولي من تفكههم في الحديث ولغوهم ولهوهم لئن لم ينتهوا عن ذلك لانتفضن إنتفاضة يرجع كل مني إلى الجبل الذي قطع منه.
حجر
وعن ابن مسعود رحمه الله: ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالهمة قبل العمل إلا مكة، وتلا
(2)
قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيْهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم (2) أي أنه مجرد الإرادة. ويقال
السيئات تضاعف كما تضاعف الحسنات.
أيضاً.
وعن ابن عباس أنه كان يقول: الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم. وقيل: الكذب
(1) في الأصل بالحر والتصويب من الإحياء (244/ 1).
(2) سورة الحج الآية: 25.