الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢36
مقدمة المؤلف
صومعته، وكان له حمار يرعى حولها، فاطلع من الصومعة فرآه يرعى، فرفع يديه إلى السماء فقال: يا رب لو كان لك حمار كنت أرعاه مع حماري.
وما كان يشق عليَّ فَهم به نبي في ذلك الزمان، فأوحى الله تعالى إليه: دعه فإنما سأل، وإنما أثيب كل إنسان على قدر عقله.
ففتحت
هشام بن حسان قال: أقبل رجل إلى محمد بن سيرين فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما رأيت؟ قال: كنت رأيت أن لي غنماً فأعطيت بها ثمانية دراهم فأبيت من البيع، عيني ولم أر شيئاً فأغلقتهما ومددت يدي فقات: هاتوا أربعة، فلم أعط شيئاً. قال ابن سيرين: لعل القوم اطلعوا على عيب في الغنم فكرهوها. قال: يمكن الذي قلت. وفي كتاب الماوردي قال: وولى الربيع العامري وكان من النوكى (1) منابر اليمامة فأقاد كلبا بكلب فقال فيه
الشاعر:
شهدت بأن الله حق قضاؤه وأن ربيع العامري رقيع أقاد لنا كلبا بكلب فلم يدع وما كلاب المسلمين تضيع
/ ومثل هذا من رذائل النوكى ما لا يحصى كثرة؛ إذ لا معنى للإكثار منها؛ لأنه بحسب ما ينشر من فضائل العاقل كذلك يظهر من رذائل الجاهل حتى يصير مثلاً في الغابرين، وحديثاً في الآخرين وقد وصف بعض البلغاء العاقل بما فيه من الفضائل فقال: العاقل إذا والى بذل في المودة نصره، وإذا عادى رفع عن الظلم، قدره، فيسعد مواليه بعقله، ويعتصم معاديه بعدله، إن أحسن إلى أحد ترك المطالبة بشكره، وإن أساء إليه مسيء سبب له أسباب العِذار أو منح له
الصفح والعفو.
والأحمق ضَالٌ مُضِلَّ إنْ أونس تكبَّر، وإن أوحش تكلَّر، وإن استنطق تخلف، وإن ترك تكلف مجالسته، مهنة ومعاينته، محنة ومحاورته غرر وموالاته ضرر، ومقاربته عمى، ومفارقته شفاء.
وقال بعض البلغاء: إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق، وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق، فإن اتتك منها سهمة مع جهل أو فاتتك بغية مع عقل فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل والزهد في العقل، فدولة الجهل من الممكنات، ودولة العاقل من
الموجبات.
(1) النُّوكُ: الحمق، والجهل، والعجز.