قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٣

قنطرة الحج

93

انكشف لكل خارج إلى الحج من أسراره ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة عمله. أما الفهم: اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن

اللذات والاقتصار عن الضرورات فيها والتجرد إلى الله سبحانه في جميع الحركات والسكنات،

(1)

ولأجل هذا انفرد الرهابين في الملل السالفة عن الخل وانحازوا إلى قلل الجبال، وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل، فتركوا الله سبحانه الذات الحاضرة، وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقة طمعاً في الآخرة، فأثنى الله عز وجل / عليهم في كتاب العزيز [113/ب]

فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (2). فلما اندرس ذلك، وأقبل

الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة الله تعالى وفتروا عنها، بعث الله عز وجل نبيه محمداً لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها فسأله أهل الملل عن الرهابنية والسياحة في دينه، فقال عليه السلام: «أبدلنا بها الجهاد والتكبير على كل شرف أعني الحج، (3).

وسئل عليه الصلاة والسلام عن السائحين، فقال: «هم الصائمون» (4).

وأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم فشرق البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصد العبادة وجعل باحواليه حرماً لبيته تفخيماً لشأنه، وتعظيماً، وجعل عرفات كالميدان على فناء، حرمه، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق شعثا غبراً متواضعين لرب البيت ومستكينين له خضوعاً لجلاله وإستكانة لعزه مع الاعتراف بتنزهه تعالى يحويه بيت أو يكتنفه موضع ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إدعائهم

أن: عن

وانقيادهم.

(1) كذا في الأصل، والإحياء أيضاً، واحسبها «قسم» والله أعلم. (2) سورة المائدة الآية: 82.

(3) رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله رواه الطبراني بلفظ: إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، ولكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدو». وللبيهقي في الشعب من حديث أنس: «رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله». وكلاهما ضعيف، والترمذي حسنه والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أريد أن أسافر قال: عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف». قاله العراقي في المغني (267/ 1). (4) رواه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وقال المحفوظ عن عبيد بن عمير عن عمر مرسلاً.

المصدر السابق.