الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٤قنطرة الحج
ولذلك وظف الله عز وجل عليهم فيها أعمالاً لا تستأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى
معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار فبمثل هذه [114/ 1] الأعمال يظهر كمال الرزق والعبودية فإن الزكاة / إرفاق بالفقراء وعلتها مفهومة، وللعقل إليها ميل، والصوم كسر للشهوة التي هي إله عدو الله الشيطان، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل والركوع والسجود تواضع الله عز وجل في الصلاة.
[1/ 110]
وأما ترددات السعي ورمي الجمار، وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس، ولا أنس للطبع فيها، ولا إهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث أنه أمر يحب إتباعه فقط وفيه عزل العقل عن تصرفه ومنع النفس
والطبع عن محل أنسه فإن كل ما أدرك العقل معناه: مال الطبع إليه ميلاً ما، فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً له على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص: «لبيك بحجة حقاً تعيد أورقا (1). ولم يقل ذلك في صلاة وغيرها، فلما اقتضت حكمة الله سبحانه ربط الخلق ونجاتهم بأن تكون أعمالهم على خلاف ما تهوى طبائعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع فيرددون في أعمالهم على سبيل الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدي إلى معانيها أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق التي هي مقتضى الاسترقاق، فإذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات وهذا القدر كاف في تفهم
أصل الحج
(2)
وأما الشوق: فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق / بأن البيت بيت الله عز وجل وأنه وضع على مثال حضرة الملوك، فقاصده (3) قاصداً إلى الله عز وجل، وزائر له، وأن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يحرم الرحمة في الآخرة، بل يستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الصادق. فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يسوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة هذا مع أن المحب يشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله تعالى فبالأحرى يشتاق إليه. هذه الإضافة فضلاً عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل (4).
بمجرد
(1) رواه البزار والدارقطني في العلل من حديث أنس قاله العراقي في المغني (213/ 1). (2) راجع إحياء علوم الدين فالكلام فيه بنصه (267/ 1، 268). (3) في الأصل: فقاد فقاصد واللفظ الأول زائد على السياق فحذفته. (4) راجع الفقرة في إحياء علوم الدين (268/ 1).