قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٥

قنطرة الحج

وأما العزم: فليعلم أنه بعزمه قاصد إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهاً إلى زيارة بيت الله عز وجل، فليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت، وليعلم أنه عز على أمر رفيع شأنه خطير أمره، وأن من طلب عظيماً خاطر بعظيمة، وليجعل خالصاً لوجه الله تعالى بعيد عن شوائب الرياء والسمعة وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص. وإن من أفحش الفواحش أن يقصد بيت الملك وحرمه، والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم، وليخلصه من كل ما فيه رياء وسمعة وليحذر أن يستبدل الذي. هو أدنى بالذي هو

عزمه

خير

(1)

وأما قطع العلائق: فمعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي، فكل مظلمة علاقة وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلابيبة ينادي عليه، ويقول له: أين أتقصد بيت ملك الملوك وأنت / مضيع أمره في منزلك هذا ومستهين به ومهمل له، أو [116/ب]

تتوجه

لا تستحي أن تقدم قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك؟ فإن كنت راغباً في قبول زيارتك فامتثل أوامره وَرُدَّ المظالم وتب إلى الله أولاً من جميع المعاصي، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما في ورائك لتكون متوجهاً إليه بوجه، قلبك كما أنت متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك، فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولاً إلا النصب والشقاء وأخراً إلا الطرد والردّ، ويقطع العلائق عن وطنه قطع من انقطع عنه وقدر أن لا يعود إليه، وليكتب وصيته لأولاده وأهله فإن المسافر لعلى خطر (3) إلا ما وقى الله تعالى.

بين يديه

وليتذكر عند قطعة العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة، فإن ذلك على القرب، وما يقدمه في هذا السفر طمع في تيسير ذلك السفر فهو المستقر، وإليه المصير، فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد لهذا السفر

(r)

وأما الزاد فليطلبه من موضع حلال، وإذا حس من نفسه الحرص على إستكثاره وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغ المقصد، فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا، وأن زاده التقوى، وأن ما سواه مما يظن أنه زاد يتخلف عنه عند الموت، فكونه يبقى معه كالطعام الرطب الذي يفسد في أول منازل السفر، فيبقى وقت الحاجة محيراً

(1) راجع الفقرة بكاملها في المصدر السابق. (2) في الأصل: قلة والتصويب من الإحياء. (3) الفقرة بنصها أيضاً في الإحياء (268/ 1، 269).