قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٠٠

قنطرة الحج

شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول، فإذا تذكرت ذلك فألزم قلبك الضراعة، والابتهال إلى الله تعالى كي تحشر في زمرة الفائزين، المرحومين.

وأيقن وحقق رجاؤك بالإجابة؛ فالموفق شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال

إلى كافة الخلائق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض ولا ينفك الموضع عن طبقة من [1/ 123] الأبدال / والأوتاد (1) وطبقات الصالحين وأرباب القلوب، فإذا اجتمعت هممهم، وتجردت للضراعة والابتهال قلوبهم وارتفعت إلى الله سبحانه أيديهم، وامتدت إليه أعناقهم، وشخصت نحو السماء أبصارهم مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة، فلا تظنن أنه يخيب أملهم، ويضيع سعيهم ويدّخر عنهم رحمة تغمرهم ولذلك قيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر الإنسان عرفات فيظن أن الله تعالى لم يغفر له.

فكان اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة الأمم من الأبدال والأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد وهو سر الحج وغاية مقصودة، فلا طريق في استدرار الرحمة من الله سبحانه وتعالى، مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد.

وأما رمي

الجمار: فاقصد به الانقياد للأمر إظهاراً للرق والعبودية، وانتهاضاً لمجرد

الامتثال من غير حظ للعقل والنفس في ذلك، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو ليفتنه بمعصية، فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله، فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه، [أما أنا] (2) فليس يعرض لي الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في عزمك ليفتر عزمك في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه ترغم أنف الشيطان وتقضم ظهره، [1/ 124] إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى / تعظيماً لمجرد الأمر من غير حظ

للعقل والنفس فيه

(3)

وأما ذبحه للهدي: فاعلم أنه تقرب إلى الله سبحانه بحكم الامتثال، وأكمل الهدي واجزائه وأرج أن يعتق بكل جزء منه جزء منك من النار، فهكذا ورد ال وعد، فكلما كان الهدي

(1) سبق الكلام عن الأبدال والأوتاد وأنها مصطلحات صوفية تفتقر إلى الدليل الشرعي الصحيح.

(2) ما بين المعقوفين سقط من الأصل وأثبته من الإحياء.

(3) راجع إحياء علوم الدين وهو فيه بنصه (271/ 1).