الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠١قنطرة الحج
أكثر وأجزاؤه أوفر، كان فداؤك به من النار أعم (1).
1.1
وأما زيارة المدينة: فإذا وقع بصرك على حيطانها فلتذكر أنها البلدة التي اختارها الله تعالى لنبيه عليه السلام وجعل إليها هجرته وأنها داره التي فيها شرع فرائض ربه عز وجل وسننه، وجاهد عدوه، فأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل، ثم جعل تربته فيها، وتربة وزيريه القائمين بالحق من بعده، ثم مثل في ذلك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته فيها، وأنه ما من موضع قدم تطاؤه إلا وهو موضع قدمه العزيزة، فلا تضع قدك عليه إلا على سكينة، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه وسكينته في المشي، وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكر مع ذكره حتى قرنه بذكر نفسه، وإحباط عمل من هتك حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته عليه السلام.
ثم تذكر ما مَنَّ الله به على الذين أدركوا صحبته، وسعدوا بمشاهدته، وسماع كلامه، وعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته، وصحبة أصحابه رضي الله عنهم.
ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا، وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر، وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة، وقد حيل بينك وبين قبوله إياك بسؤ عملك كما قال / عليه السلام: [125/ب]
يرفع إلي أقوام فيقولون: يا محمد يا محمد فأقول رب أصحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً) (2). فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه لعدو لك عن محجته، وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله بينك وبينه بعد أن رزقك الإيمان، وأشخصك من بلدك من أجل زيارته من غير تجارة، ولا في دنيا، بل لمحض حبك له وشوقك إلى النظر إلى آثاره وإلى حائط قبره، إذ سمحت نفسك بالسفر لمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته، فما أجدرك بأن ينظر الله سبحانه إليك بعين الرحمة. فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرصة التي اختارها الله عز وجل لنبيه، ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة.
وأن فرائض الله سبحانه وتعالى أول ما أقيمت في تلك العرصة، وأنها جمعت أفضل خلق الله حياً وميتاً، فليعظم أملك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه، فادخله خاشعاً معظماً، وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن.
(1) راجع المصدر السابق.
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود، وأنس وغيرهما دون قوله: يا محمد يا محمد، قاله العراقي في المغني عن حمل الأسفار (272/ 1).