الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٢102
عن
قنطرة الحج
كما حكي. وقف على باب المسجد قيل له: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغشي عليه فلما أفاق قال: أخرجوني فليس يلذ لي (1) بلد محمد فيه مدفون (2).
أبي سليمان أنه قال: حج أويس القرني رحمه الله، ودخل المدينة فلما
(1)
وأما زيارة المصطفى عليه السلام فينبغي أن يقف بين يديه كما وصفناه، ويزوره ميتاً كما يزوره حيّاً، ولا يقرب من قبره إلا كما كان يقرب من شخصه الكريم لو كان حياً، وما كان [1/ 126] يرى الحرمة في أن لا يمس شخصه ولا يقبله / بل يقف من بعد ماثلاً بين يديه.
وكذلك فافعل وإن المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى واليهود، واعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك، وأنه يبلغه سلامك وصلاتك فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعاً في اللحد بإزائك وأحضر عظيم رتبته في قلبك.
فقد روي عنه: إن الله وكل بقبره ملكاً يبلغه سلام من يسلم عليه من أمته (3). هذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقاً إلى لقائه، وإكتفاء بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاتته مشاهدة غرته الكريمة، وقد قال الله: «من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً (4).
فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ببدنه. ثم انت منبر الرسول و توهم صعوده المنبر، ومثل في قلبك طلعته البهية قائماً على المنبر، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار، وهو الله يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته وتسأل الله عز وجل أن لا يفرق بينك وبينه يوم القيامة فهذا وظيفة القلب في أعمال الحجة، فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الهم والحزن والخوف، وأنه ليس يدريه أقبل منه حجه وأثيب في زمرة المقبولين أم رد حجه وأُلْحِقَ بالمطرودين، وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله، فإن صادف قلبه قد ازداد تجافياً عن دار الغرور، وانصرافاً إلى دار الأنس بالله عز وجل، ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع، فليثق بالقبول؛ فإن الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه ومن أحبه، تولاه وأظهر عليه آثار محبته، [1/ 127] وكفّ عن سطوة عدوه إبليس، فإذا ظهر ذلك عليه دلّ على القبول وإن / كان الأمر بخلافه
(1) في الأصل: بلدي. والتصويب من الإحياء.
(2) راجع الفقرة في الإحياء بنصها (272/ 1).
(3) رواه النسائي وابن حبان والحاكم من حديث ابن مسعود بلفظ: إن الله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام قاله العراقي في المغني (272/ 1).
(4) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، قاله العراقي في المصدر السابق.