الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٢٧[/100]
قنطرة الجهاد
127
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف، ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه أسفله.
وقال بعض العلماء: أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر الله به، أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور، وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قام الله في زمانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قيل: معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه، فقد جاء بما هو الغاية في حقه. وقيل للفضيل: ألا تأمر وتنهى؟ فقال: إن قوماً أمروا ونهوا فكفروا، وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا به.
يشده؟
وعن الثوري أنه قيل له: ألا تأمر بالمعروف وتنه عن المنكر؟ فقال: إذا انبثق البحر فمن
فقد ظهر بما ذكرنا من الأدلة أن الأمر والنهي فرضان واجبان مع القدرة على كل مكلف شاهد ذلك، حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، ولا يسقطان إلا بقائم يقوم بهما؛ لأنهما فرض على الكفاية فمن قدر أن ينكر بيده فليفعل، وإن لم يقدر فبلسانه، وإن لم يقدر فبقلبه وهو أضعف الإنكار، وليس ذلك عذر يمنعه / ولا ضعف يزيله.
وإن قدر أيضاً أن يظهر الإنكار على أهل المعاصي بالهجران، واكفرار الوجه فليفعل وإنما أجاز الله سبحانه للمسلمين ترك إظهار المنكر عند عجزهم رخصة منه تعالى لهم، ومن أظهر النكير طلباً للوسيلة فله ثواب ذلك، على ما قدمنا من فضيلته والله أعلم (1).
فصل
اعلم أن الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تأكيداً لتحريم زواجره، وامتثال أوامره؛ لأن النفوس الأشرة قد الهتها الصبوة عن إتباع الأوامر، وأذهلتها الشهوة عن تذكار الزواجر، فكان إنكار أهل جنسها أزجر لها، وتوبيخ المخالطين لها أبلغ فيها، فلا خلاف بين الناس.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن | المنكر مع المكنة وظهور القدرة واجب على من شاهد
(1) هذا الباب وما جاء به من آيات وأحاديث وآثار فمعظم ما جاء به منقول نصاً من كتاب الإمام الغزالي - إحياء علوم الدين - وما أضافه المؤلف إلى الباب شيء قليل بجوار هذا النقل. ج 2 كتاب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر - طبعة دار إحياء الكتب العربية.