الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٠130
قنطرة الجهاد
في الغزو والجهاد ولم يمنعوا عن ذلك في عصر الرسول عليه السلام وغيره من الأعصار. والتحقيق في هذا أن الاحتساب تارة يكون بالوعظ ولا ينفع وعظ من لا يتعظ عند من علم ذلك [1/ 158] منه ويكون الاحتساب تارة بالقهر والمنع فلا / حجر على الفاسق في إراقة الخمر وكسر الملاهي، وغيرها إذا قدر على ذلك، وكذلك إغاثة المظلوم وقمع الظالم وغيره من المنكر والله أعلم).
وأما الآيات والأخبار التي استدلوا بها في إنكار عليهم من حيث تركهم المعروف، وارتكابهم المنكر لا من حيث الأمر والنهي، لأن أمرهم ونهيهم دل على قوة علمهم وعقاب
العالم التارك أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه فالجاهل غير معذور فكيف العالم؟
(2)
وقوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2). فالمراد به الوعد الكاذب.
وقوله: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُرِ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (3). توبيخ من حيث أنهم نسوا أنفسهم لا من حيث أنهم أمروا، غيرهم إن ذلك أدل على علمهم وأقوى في تأكيد الحجة عليهم، عظ نفسك الحديث. هو في الاحتساب بالوعظ.
مريم.
وقوله: يا ابن وقد سلمنا أن وعظ الفاسق قليل الجدوى ساقط القبول عند من يعرف، ثم قوله: وإلا فاستحي مني لا يدل على تحريم وعظ الغير بل معناه لا تترك مهم: كما يقال احفظ أباك ثم جارك وإلا فاستحي والله أعلم.
نفسك وتشتغل بمهم
غيرك
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: لعن الله الأمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر الفاعلين له.
وأما آحاد الرعية فإنما ذكرنا ذلك، لأن قوما اشترطوا في المحتسب أن يكون مأذوناً له من جهة الإمام أو الوالي وهذا الاشتراط فاسد فإن الآيات والأخبار التي قدمناها تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه مع القدرة على إنكاره فهو آثم عاص أينما رآه، وكيفما رأه على العموم، واستمرار علماء السلف في إنكارهم على السلاطين قاطع بصحة ذلك ووجوبه [1/ 159] من غير إذن الإمام فكل من أمر بالمعروف / سلطاناً أو والياً فإن كان راضياً به فذلك،
وإن كان
(1) ما جاء في هذا الباب بعد اختصار مخلاً لما جاء بكتاب الإحياء في نفس الموضوع في الجزء الثاني ص 309 طبعة دار إحياء الكتب العربية.
(2) سورة الصف الآية: 2. (3) سورة البقرة الآية: 44.