الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٢132
قنطرة الجهاد
إني مررت على شيخ يلقط النوى، فقلت له: الطريق، فرفع إلي رأسه فرأى العود فأخذه وضرب به الأرض. فاستشاط هارون وغضب واحمرت عيناه فقال له سليمان بن أبي جعفر: ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين ابعث إلى صاحب الربع بضرب عنقه ويرمى به في دجلة. قال: لا ولكن نبعث إليه ونناظره (1) أولاً، فجاءه الرسول فقال: أجب أمير المؤمنين. فقال: نعم. قال: اركب. قال: لا. فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر. فقيل لهارون: قد جاء الشيخ فقال للندماء: أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ أو نقوم إلى مجلس آخر فقالوا نقوم إلى مجلس آخر أصلح، فقاموا صاغرين إلى مجلس آخر ليس فيه منكر ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي فيه النوى. فقال له الخادم: أخرج هذا [1/ 161) وأدخل على أمير المؤمنين. فقال: من هذا عشاء. الليلة فقال: نحن نعيشك / قال: لا حاجة لي في عشائك فقال له: هارون: أي شيء تريد منه؟ فقال: في كمه نوى. قلت له: اطرحه، وادخل على أمير المؤمنين. فقال له: دعه لا تطرحه. قال: فدخل له فسلّم وجلس. فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت؟ قال: وأي شيء صنعت؟ وجعل هارون أن يقول كسرت عوداً، فلما أكثر عليه. قال: إني سمعت آباءك وأجدادك يقرؤون هذه الآية على المنبر: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِى ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ أ وَالْمُنكَرِ … ) (2) الآية. ورأيت منكراً فغيرته. قال: فغيره والله ما قال إلا هذا. فلما خرج أعطى رجلاً بدرة وقال له: اتبع الشيخ فإن رأيته يقول قلت لأمير المؤمنين. وقال لي: فلا تعطه شيئاً وإن رأيته لا يكلم أحد فاعطه البدرة، فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت يعالجها ولم يكلم أحداً. فقال له: قال لك أمير المؤمنين خذ هذه البدرة. فقال: قل لأمير المؤمنين يردها من حديث أخذها.
يستحي
الْفَحْشَاءِ
ويروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة يعالج قلعها من الأرض وهو يقول: أرى الدنيا لمن هي في يديه هموماً كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه وفي التقوى من الدنيا بلاغ ورزق المرء مبعوث إليه إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه قال: وقد روي عن المأمون أنه بلغه أن رجلاً محتسباً يمشي في الناس يأمرهم بالمعروف
(1) كذا بالإحياء وجاءت بالأصل «مناظره». (2) سورة النحل الآية: 90.