الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٥قنطرة الجهاد
135
وعن ابن مسعود رحمه الله أنه قال: جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوهكم فافعلوا.
واعلم أنه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروهاً أن يناله فذلك في معنى العجز وله أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويُضرب إن تكلم فلا يجب عليه الاحتساب، نعم يلزمه ألا يحضر مواضع المنكر، ويعتزل في بيته حتى لا يشاهده، ولا يخرج إلا في حاجة مهمة، أو قضاء واجب، ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة إلا إذا كان يرهق إلى الفساد، ويحمل على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات، فتلزمه الهجرة عندها إن قدر عليها فإن الإكراه لا يكون عذراً في حق من يقدر على الهروب من الإكراه.
الحالة الثانية: أن يعلم أن المنكر يترك بقوله أو بفعله ولا يناله مكروه فيجب عليه
الإنكار؛ لأن هذه هي القدرة المطلقة.
الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيده إنكاره لكنه لا يخاف مكروهاً فلا يجب عليه الاحتساب لعدم فائدتها ولكن يستحب ذلك لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين. الحالة الرابعة: عكس هذا وذلك أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله مثل أن يريق خمراً أو يكسر عوداً فيرجع إليه صاحبه فيضربه فهذا ليس بواجب ولا بحرام بل مستحب ويدل عليه الحديث الوارد في فضل كلمة حق عند إمام جائر.
وقد روي عن أبي سليمان الدارني أنه قال: سمعت كلاماً من بعض الخلفاء فأردت أن أنكر عليه، وعلمت أني أمثل ولا يمنعني القتل ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق فاقتل من غير إخلاص في الفعل.
وعلى هذا / المعنى قتل عروة بن جدير أخو أبي بلال رحمه الله وعمروس بن فتح [165/ب]
رحمه الله، وغيرهم من المسلمين رحمهم الله فيما بلغنا.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ (1) قلنا: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتله، وذلك أنه يكسر
يهجم
(1) سورة البقرة الآية: 195.