قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٦

136

قنطرة الجهاد

قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالات وحبهم الشهادة في سبيل الله فيكسر بذلك شوكتهم.

تعالى.

وأما معنى

الآية: فقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهلكة ترك النفقة في طاعة الله

وعن البراء بن عازب أنه قال: التهلكة أن يذنب الإنسان ذنباً فييأس من التوبة. وقيل: هو أن يقعد عن الجهاد. وقيل: هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيراً حتى يهلك. وإذا جاز للإنسان أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضاً ذلك في الاحتساب، ولكن لو يعلم أنه لا نكاية لهجومه

على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف فذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة. وكذلك المحتسب إنما يجوز له بل ويستحب أن يعرض نفسه للضرب والقتل، إذا كان لاحتسابه تأثيراً في دفع المنكرات وفي كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين، وأما إن رأى فاسقاً معه سيف وفي يده قدح خمر وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته، فهذا مما لا أرى للاحتساب فيه وجهاً، وهو عين الإهلاك. فإن المقصود أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه، فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له في الدين بل ينبغي أن يكون هذا حراماً. فإن قيل: فما حد الأذى الذي يترك المنكر لأجله؟ قلنا: ينحصر ذلك في أربعة أشياء: في البدن والمال والعرض والأقارب.

أما البدن فلا يلزمه الاحتساب إذا كان يعلم أنه يقتل أو تقطع أطرافه، أو يجرح،

[1/ 166] / أو يضرب ضرباً مؤلماً، وإن كان يستحب له ذلك كما تقدم. وأما المال: فإذا كان يعلم أن داره تنهب أو ثيابه تخلب أو يسعى به من أجل ذلك إلى سلطان يقتله؛ فإنه يسقط عنه الوجوب ويبقى الاستحباب إذ لا بأس أن يفدي دينه بدنياه، ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة والكثرة، إذ لا يكترث بالحبة من المال واللطمة

الخفيفة.

وأما العرض: فيخاف أن يهتك منه من أجل الإنكار شيئان:

أحدهما زوال جاهه: بأن يطرح حبل في عنقه ويدار به في البلد، أو يسود وجهه كل، وذلك من غير ضرب وهذا قادح في الجاه مؤلم للقلب. فهذا ربما يرخص له في السكوت؛ لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع، وهذا يؤلم القلب ألماً يزيد على ضربات معدودة،

وفوت دريهمات قليلة.