قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٧

قنطرة الجهاد

137

والثاني خوف زوال فضلات الجاه: بأن يتعرض للسب في حضرته بالتجهيل والتحميق،

والنسبة إلى الرياء والنفاق أو في غيبته بأنواع الشتم والافتراء عليه، والغيبة فهذا لا يسقط الوجوب إذ لو كان يترك الاحتساب بلوم لائم، أو باغتياب فاسق أو بسقوط المنزلة من قلبه لم يكن لوجوب إنكار المنكر أصل ثابت، إذ لا ينفك كل من ينكر المنكر عن مثل هذا الأذى، وقد قال تعالى: {وَأُمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ (1). اللهم إلا إن كان المنكر اغتياب مسلم وعلم أنه لو أنكر عليه لم يسكت بل يغتابه هو أيضاً ويشتمه فربما لا يجب عليه الإنكار؛ لأن ذلك سبب لزيادة، المعصية، لأن غيبته هو أيضاً معصية في حق

المغتاب، ولكن يستحب له أن يفدي عرض أخيه المسلم بعرض نفسه على سبيل الإيثار. وقد دلت الآيات والأخبار على تأكيد وجوب الاحتساب، وعظم الخطر في السكوت عنها، فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره والبدن والمال والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها. وأما فضلات الجاه ودرجات / التجمل وطلب ثناء الخلق، وجر المنافع فكل ذلك لا [167/ب]

خطر له.

وأما الأقارب: فيخاف على أولاده وسائر أرحامه أن يضربوا وتنهب أموالهم إن أنكر

منه،

المنكر فهذا الله به أعلم ولعله لا يجب عليه الإنكار؛ لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر أعظم وإن كان لا ينالهم الأذى في النفس، والمال، ولكن بالشتم والسب، فهذا فيه نظر ويختلف ذلك بدرجات المنكر، ودرجات الكلام والشتم المحذور في نكاية القلب والله أعلم. واعلم أن صاحب المنكر لا يخلو من ثلاثة أحوال:

الأولى: أن يكون قد فرغ من المنكرة ومقارفة المعصية فيجب عليه الحد والتعزير والنكال، وذلك إلى الأئمة والسلاطين لا إلى آحاد الرعية.

الثانية: أن يكون مباشر للمنكر بفعله كلبسه الحرير وإمساكه العود وشربه الخمر، فإبطال هذه المناكر واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى منكر أفحش منه، وذلك يثبت للآحاد والرعية ذكراناً كانوا أو إناثاً، أحراراً أو عبيداً مع القدرة على إزالته.

الثالثة: أن يكون مهيئاً للمنكر كمن يزين المجلس ويجمع الرياحين لشرب الخمر ولم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه، وربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد ولا للسلاطين سلطنة على العازم على شرب الخمر إلا من طريق الوعظ والنصح دون الضرب والتعنيف، إلا إذا

(1) سورة لقمان الآية: 17.