قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٤٤

[1/ 176]

144

قنطرة الجهاد

كلامه ووعظه مقبولاً، فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب فيورث بذلك جرأة وإصرار ولسنا نعني بهذا أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعاً بالفسق ولكن يسقط أثره عن اللوب لظهور فسقه للناس. وقد روي عن أنس أن النبي لو قيل له: لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله، ولا ننهي عن المنكر حتى نجتنبه كله فقال: بل أمروا بالمعروف، وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله (1). ولكن الفرض عليه الائتمار بالمعروف قبل الأمر به لئلا يدخل في قوله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) (2).

(2)

وعن الحسن أنه قال: إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فكن ممن أخذ الناس به وإلا

هلكت. ولذلك قيل:

لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثل

من ذم شيئاً وأتى مثله فإنما يزري على عقله

وأما حسن الخلق فليتمكن من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأساسه، والعلم والورع لا يكفي فيه وإذا هاج الغضب لا يقمعه مجردهما ما لم يكن في الطبع قبول له بحسن الخلق، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الغضب والشهوة وبه يصير المحتسب على ما أصابه في ذات الله وإلا فإذا أصيب عرضه أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الاحتساب وغفل عن دين وغضب لنفسه.

وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهي عنه، حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهي عنه، فقيه فيما يأمر عنه (3) به فقيه فيما ينهي.

وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فقيهاً مطلقاً بل فيما يأمر به وينهي عنه وكذا الحلم. قال: وأوصى بعض السلف بنيه فقال: إن أراد أحدكم أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من عند الله تعالى فمن وثق بالثواب من عند الله لم يجد مس الأذى. فإذن من آداب الاحتساب توطين النفس على الصبر، ولذلك قرن الله تعالى الصبر بالأمر

(1) قال الحافظ العراقي في المغني رواه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط وفيه عبد القدوس بن حبيب أجمعوا على تركه.

(2) سورة البقرة الآية: 44.

(3) قال الحافظ العراقي في المغني: لم أجده هكذا وللبيهقي في الشعب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه

عن جده من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.