قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٩

قنطرة الجهاد

159

من

حاجة فأجيبه فيها، فإن كانت له حاجة فليجئ في حاجة نفسه، فلما دفنوا ميتهم مال بلال ومن معه إلى حلقة مالك فلما دنى منه نزل ونزل من معه ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس فلما رأه مالك سكت فأطال السكوت فقال له بلال: يا أبا يحيى ذكرنا. قال له: أنسيت شيئاً فأذكرك؟ قال: فحدثنا. قال: أما هذا فنعم، قدم علينا إمام قبلك في البصرة فمات فدفناه في هذه / الجبانة ثم أتينا بزنجي فدفناه إلى جنبه فوالله ما يدري أيهما أكرم على الله؟ فقال له [195/ب] بلال: يا أبا يحيى أتدري ما الذي أجراك علينا وما الذي يسكتني عنك؟ لأنك لم تأخذ دراهمنا شيئاً. قال: ودخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله تعالى إذا استرعى عبداً رعية كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. فقال: كذبوا يا أمير المؤمنين أخليفة نبي أكرم على الله أم خليفة ليس بنبي؟ قال: بل خليفة نبي، قال: فأنا أحدثك يا أمير المؤمنين بأمر لا شك فيه، قال الله تعالى: {يَا دَاوُدَ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ الْنَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوى (1) الآية. يا أمير المؤمنين فهذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة ليس بنبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا.

(1).

وفي كتاب الغزالي: قال ويروى أن هشام بن عبد الملك قدم مكة حاجاً فلما دخلها قال: أنتوني برجل من الصحابة. فقيل: يا أمير المؤمنين قد فنوا. قال: فمن التابعي. فأوتي بطاوس اليماني، فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه، ولم يسلم بإمارة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك ولم يُكنّه ولكن جلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب غضباً شديداً حتى هم بقتله. فقيل له: أنت في حرم الله وفي حرم رسوله فلا يكن ذلك. فقال له: يا طاوس ما الذي يحملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً فقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمارة المؤمنين ولم تكنني، وجلست إزائي بغير إذن، وقلت كيف أنت يا هشام فقال: أما خلع نعلي بحاشية بساطك فإني اخلعها بين يدي رب العزة كل يوم / وليلة خمس مرات فلا يعاقبني ولا يغضب عليّ، وأما [196/ب] قولك، لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده لرحمة وأما قولك: لم أسلم بإمارة أمير المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمارتك فأخاف أن أكذب. وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه فقال: (يا داود) يا يحيى)، (يا عيسى) وكنى أعداءه فقال: (تبت يدا أبي لهب).

(1) سورة ص الآية: 26.