الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٠160
قنطرة الجهاد
وأما قولك: جلست إزاءك فإني سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال هشام: عظني. فقال طاوس: سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إن في جهنم حيات كالتلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا، وكانوا يغزون بأرواحهم في الانتقام الله ممن ظلم قال: ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال: أيها الأمير قرأت في بعض الكتب من أحمق من السلطان، ومن أجهل ممن عصاني، ومن أغر ممن اغتر بي، أيها الراعي السوء دعت إليك غنماً سماناً صحاحاً، فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركتها عظاماً تقعقع. فقال له والي البصرة: أتدري ما الذي أجراك علينا وتحملنا عنك؟ قال: قلة الطمع إلينا وترك الابتهال بما في أيدينا. قال: وكان عمر بن عبد العزيز واقفاً مع سليمان بن الملك فسمع صوت الرعد فخرج ووضع صدره على مقدمة الرحل. فقال له صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه؟ ثم نظر سليمان إلى الناس فقال: ما أكثر الناس؟ فقال عمر: خصماؤك يا أمير المؤمنين. فقال له سليمان: ابتلاك الله.
عبد
بهم.
عمر:
هذا
وحكي أن سليمان أتى المدينة وهو يريد / مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب. قال يا أبا حازم كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما أنا عند الله. قال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله حيث قال: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (1). فقال له سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. قال سليمان يا أبا حازم أي عباد الله أكرم؟ قال: أهل المرؤة والتقى. قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال: فأي اسمع؟؟ قال: قول الحق عند من يخاف ويُرجى. قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودعى الناس إليها. قال: فأي الناس أخس؟ قال: من سعى في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو تعافيني؟ قال: لا ولكن نصيحة تلقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين إن آبائك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضي منهم حتى قتلوا مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم.
الدعاء
(1) سورة الانفطار (الآيتان: 13، 14).
[1/ 14 V]