الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٣قنطرة الجهاد
163
تزل بك قدمك عن هذا السبيل فيكون أخر العهد بك، ومنقطع الدخول منك فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه. قال له عمر: ما أقدمك؟ قال له: خلعت قلبي بكتابك لا وليت لك ولاية أبداً حتى ألقى الله سبحانه فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال له: زدني. فقال له:
يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أمرني على إمارة. فقال له: يا عباس يا عم النبي نفس تحييها من إمارة لا تحصيها (2).
(1) ،
خير
(2)
إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون / أميراً فافعل». فبكى [201/ب] هارون بكاءً شديداً وقال: زدني فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسأله الله تعالى غداً عن هذا الخلق فإن استطعت أن تغني هذا الوجه عن النار فافعل وإياك أن تمسي وتصبح وفي قلبك غش لرعيتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح لهم غاشاً لم يشم رائحة الجنة». فبكى هارون بكاء شديداً ثم قال: أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي إن لم يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني، والويل إن لم يلهمني حجتي. فقال: أعني دين العباد. فقال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدق وعده، وأطيع أمره، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (3) الآية. فقال له هارون: هذه ألف دينار خذها وانفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك. فقال: سبحان الله أنا أدلك على النجاة وتكافئني بمثل هذا سلمك الله، ثم صمت ولم يكلمه فخرجوا من عنده فقال هارون للفضيل بن الربيع: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا
سيد العالمين اليوم.
ويروي
أن أعرابياً قام بين يدي هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين أتت على الناس سنون ثلاث أما الأولى فأذابت الشحم. وأما الثانية فأكلت اللحم. وأما الثالثة: فهاضت العظم. وعندك فضول أموال، فإن كانت الله تعالى فاقسمها بين عباده، وإن كانت لهم فلم تحظرها عنهم، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. فأمر هشام بمال فقسم بين الناس، وأمر للأعرابي بمال فقال له: أكل المسلمين له مثل هذا؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: فلا حاجة لي بما يبعث لأئمة على أمير المؤمنين.
ويروى أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا مقاماً لا
(1) كذا بالأصل وكذلك بالإحياء وفي المغني للحافظ العراقي «تنجيها».
(2) قال الحافظ العراقي في المغني: رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً بغير إسناد، ورواه البيهقي من حديث ومن رواية ابن المنكدر مرسلاً وقال: هذا هو المحفوظ مرسلاً.
جابر متصلاً
(3) سورة الذاريات الآية: 56.