الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٥قنطرة الجهاد
ورضى الناس عليهم فزّلت بهم أقدامهم فهووا في النار، فلا يغرنك حلم الله عنك بطول أملك، وكثرة ثناء الناس عليك فتزل بك قدمك فتلحق بالقوم فلا جعلك الله تعالى منهم وألحقك بصالحي هذه الأمة. ثم سكت الغلام فسأله عمر عن سنه، فإذا هو ابن إحدى عشرة ثم سأل عنه فإذا هو من ولد الحسين بن علي فتمثل عند ذلك عمر بهذين البيتين:
تعلّم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل وأن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفت عليه المحافل
وفي مثل هذا قيل لعتابي، وكان لا بيالي بما لبس ما لك لا تجيد الملبوس؟ فقال: إنما
يرفع المرء أدبه وعقله لا حيلته وحلته لحى الله امرءاً يرضى أن ترفعه هيئته وجماله، لا والله حتى يشرفه أصغراه لسانه / وقلبه ويعلو به أكبراه همته ولبه. قال: ولما دخل ضمرة بن [204/ب] ضمرة على المنذر بن المنذر وكان ملكاً وكان ضمرة ذا رداء وعقل حقرته عينه فقال: لأن تسمع بالمعيدي خيراً من أن تراه فقال له ضمرة: أبيت اللعن وكانت تحية الجاهلية أن القوم ليسوا بجزر تجزر إنما المرء بأصغريه لسانه وقلبه، فإذا نطق نطق ببيان وإذا قاتل قالت بجنان، والرجال لا تكال، بالقفزان ولا توزن بالقسطاس، فأعجب المنذر بكلامه.
مع
أصحابه، فنزلوا
كذلك
أن وروي روح بن زنباع كان في طريق مكة في يوم شديد الحر فضربت عليهم الظلال والخيام وقدم إليهم الطعام المجود والشراب المبرد فبينما هم " إذ مَنَّ بهم راع فدعاه إلى الطعام فأبى وقال: إني صائم. فقال روح: في مثل هذا اليوم الحار. فقال: أفادع أيامي تمضي باطلاً فقال روح:
لقد ضننت بأيامك يا راع إذ جاء عفواً بها روح بن زنباع
وروي عن بعضهم أنه قال: حج الحجاج، فنزل ببعض المياه بين مكة والمدينة فدعى بالغداء فلما حضر قال لحاجبه: انظر من يتغذى معي واسأله عن بعض الأمر فنظر في الجبل، فإذا براع بين شملتين نائم فضربه برجله وقال: أنت الأمير. فقال له الحجاج: أغسل يدك وتغد معنا. قال: قد دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله سبحانه دعاني إلى الصيام فصمت. قال له: في هذا الحر الشديد قال: نعم صمت ليوم هو أشد حراً منه. قال له: أفطر اليوم وتصوم غداً. فقال له: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذلك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بأجل لا تقدر عليه قال: لأنه طعام طيب. قال: لم تطيبه أنت وإنما طيبه الطباخ ولا الطباخ إنما طيبته العافية.