الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٨168
[1/ 208]
قنطرة الجهاد
فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي أنت وأمي لا أفعل ذلك أبداً ولو أنت على نفسي فدعا له بخير. يا أمير المؤمنين رض نفسك بنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها: القيد قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها (1). يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين: أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا (2). قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك، وكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن؟! يا أمير المؤمنين: بلغني عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها. فكيف بمن حُرِم عدلك وهو على بساطك؟! يا أمير المؤمنين: أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك؟ {يَا دَاوُدَ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ
رضي
الله عنه
الْهَوَى (3) الآية.
(Y)،
قال: يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك / فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلح على صاحبه، فأمحوك عن نبؤتي ثم لا تكون خليفتي ولا كرامة. يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية، ورفقهم بالسياسة، فيجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء. يا أمير المؤمنين: إنك بليت بأمر لو عرض على السموات والأرضين لأبين أن يحملنه، وأشفقن منه. يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل من الأنصار على الصدقة فرءآه بعد أيام مقيماً. فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله؟ قال: لا. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من وال يلي شيئاً من أمور المسلمين (4) إلا أوتي به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه [لا يفكها إلا عدله] (5) فيوقف على جسر من النار فينتفض به ذلك الجسر انتفاضة يزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسناً نجا بإحسانه،
رجلا
(1) قال الحافظ العراقي: رواه ابن أبي الدنيا من رواية الأوزاعي معضلاً لم يذكر إسناده ورواه البخاري من
حديث أنس بلفظ لقاب.
(2) سورة الكهف الآية: 49.
(3) سورة ص الآية: 26.
(4) كذا بالأصل وجاء بالإحياء والمغني للحافظ العراقي «الناس».
(5) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل. وأثبتناه من الإحياء.