الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٠170
قنطرة الجهاد
أ
يا أمير المؤمنين أن جبريل عليه السلام أتى النبي الله فقال: أتيتك حين أمر الله بمنافيخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة فقال له: يا جبريل صف لي النار». فقال: إن الله تعالى أمر بها فأوقد عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اصفرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهيبها، ولا يخمد جمرها والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً، ولو أن ذنوباً من شرابها صب في مياه أهل الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعاً من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعاً لذابت واشتعلت ولو أن رجلاً دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقته وعظمه فبكى رسول الله، وبكى [1/ 210] جبريل / لبكائه. فقال: أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه»؟ قال: أخاف أن ابتلي بما بلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي، وأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء: يا جبريل ويا محمد إن الله قد آمنكما أن تعصياه فيعذبكما. [وفضل محمد على الأنبياء كفضل جبريل على سائر الملائكة (1)] (2).
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من قال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين. إن أشد الشدة القيام الله، بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى، وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله، وأعزه ومن طلب بمعصية الله أذله الله ووضعه فهذه نصيحتي والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي: إلى أين؟ قلت: إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله. فقال: قد أذنت وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبولها. ويقال: أمر له بمان فلم يقبله وقال: أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا.
ويروي
أن رجلاً من السياحين دخل على المأمون فسلم عليه ثم قال له: يا ظالم وأنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم أستغفر الله من تقصيري فيك، أما تتقي الله عز وجل فيما ملكك وتكلم بكلام كثير. ثم أقبل يريد الخروج فقال له: المأمون من أنت؟ قال: أنا رجل من السائحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد نفسي فيه حظاً فتعلقت بموعظتك لعلي
(1) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من الإحياء. (2) قال الحافظ العراقي في المغني: الحديث بطوله رواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلاً بغير إسناد.