قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٧١

قنطرة الجهاد

171

الحقهم. قال: فأمر بضرب عنقه، والله أعلم (1).

وفي كتاب الغزالي قال: كان أبو الحسن الثوري رجلاً قليل الفضول لا يسأل عما لا

يعنيه، ولا يفتش عما لا يحتاج إليه. وكان إذا رأى منكراً غيره ولو كان فيه تلف نفسه. قال: فنزل ذات يوم / إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين فتطهر للصلاة إذ رأى زورقاً [211/ب]

يتم به

فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأ وأنكر؛ لأنه لم يعرف في التجارات ولا في البيوع شيئاً يعبر عنه. لطف فقال للملاح: أي شيء في هذا الدنان؟ فقال: وأي شيء عليك امض لشغلك فلما سمع منه هذا القول ازداد تعطشاً إلى معرفته فقال: أحب أن تخبرني أي شيء في هذه الدنان؟ فقال الملاح: أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد أراد أن مجلسه. فقال النوري: هذا خمر قال: نعم. قال أحب أن تعطيني هذا المردي. فاغتاظ الملاح عليه فقال لغلامه: أعطه المردي حتى أنظر ما يصنع. فلما صار المردي في يده صعد إلى الزورق فلم يزل يكسرها دنا دناً حتى أتى على آخرها إلا دناً واحداً، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الحبس وهو يومئذ مؤنس بن أفلح فقبض على الثوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه، ولم يشك الناس أن سيقتله.

قال أبو الحسن: فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي من حديد وبيده عمود يقلبه. فلما رآني قال: من أنت؟ قلت: محتسب. قال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين؟ قال: فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي. وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: شفقة مِني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك. قال: فأطرف مفكراً في كلامي ثم رفع رأسه. فقال: كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ فقلت: في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال هات خبرني. فقلت: يا أمير المؤمنين إني أقدمت على الدنان بمطالبة الحق لله سبحانه وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذا الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فحدثت نفس كبراً أني قدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليها بالحالة الأولى، وكانت ملء الدنيا دناناً لكسرتها ولم أبال فقال / المعتضد: اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن [212/ب] تغيره من المنكر حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض

(1) ما جاء في الباب منقول من كتاب الإحياء للإمام الغزالي الجزء الثاني كتاب ـ أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر - طبعة دار إحياء الكتب العربية ص

344