الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٢172
قنطرة الجهاد
أتيت. فقلت: يا أمير المؤمنين نقض التغيير؛ لأن كنت أغير عن الله فأنا الآن أغير شرطياً. فقال المعتضد: ما حاجتك؟ قال: تأمر بإخراجي سالماً، فأمر له بذلك فخرج إلى البصرة إلى أن توفي المعتضد، ثم رجع إلى بغداد والله أعلم. قال: وعن ابن المهاجر قال: قدم المنصور حاجاً وكان يخرج من دار الندوة في آخر الليل ليطوف ويصلي ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى الدار فإذا أقيمت الصلاة صلي بالناس. فبينما هو د ذات ليلة حين السحر يطوف إذ سمع رجلاً عند الملتزم وهو يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ثم خرج وجلس في ناحية من المسجد فأرسل إليه فدعاه وقال: أجب أمير المؤمنين. فصلى ركعتين واستلم الركن فأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور: ما هذا الذي سمعتك تقول من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلعني. فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي فلي فيها شغل شاغل. فقال له: أنت أمن على نفسك. فقال له: أنت الذي داخله الطمع. قال: ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء على يدي والحلو والحامض في قبضتي؟ قال: وهل دخل أحد من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم بحاراً من الجص والأجر، وأبواباً من الحديد، وحجبة [1/ 213] معهم السلاح. ثم سجنت نفسك فيها عنهم وبعثت عمالك في جمع الأموال / وجبايتها واتخذت وزراء وأعواناً ظلمة إن نسيت لم يذكروك، وإن أحسنت لم يعينوك، وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح، ولم تأمر بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر أسميتهم، وما أمرت بايصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع، ولا العاري، ولا الضعيف والفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق. فلما رآه هؤلاء النفر الذين أخلصتهم لنفسك وأثرتهم على رعيتك وأمرتهم أن لا يحجبوا عنك تجبي الأموال ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا نقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره. فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذو الثروة والقدرة من رعيتك ليناولوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله من الطمع بغياً وفساداً فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك