الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٣قنطرة الجهاد
173
وَجَدَك قد نهيت عن ذلك، وقفت للناس رجلاً ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل وبلغ باطنتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته فإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه ما يريد خوفاً منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به، ويشكو، ويستغيث، وهو يدفعه، ويعتل عليه، فإذا جهد وأخرج، وأطرح بين يديك فيضرب ضرباً عنيفاً، ليكون نكالاً
لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، ولا تغير فما بقاء الإسلام وأهله على هذا، وقد كانت بنو أمية. وكانت العرب لا ينتهي إليها المظلوم / إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف. ولقد كان الرجل يأتي [214/ب] من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي: يا أهل الإسلام فيبادرونه ما لك ما لك، فيرفعون مظلمته لسلطانهم فينصف له. ولقد كنت يا أمير المؤمين أسافر إلى الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي. فقال له وزراءه: ما لك تبكي لا بكت عيناك. فقال: أما أني لست أبكي على المصيبة إذ نزلت بي ولكن المظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته. ثم قال: أما إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس لا يلبس أحد ثوب أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل طرفي النهار هل يرى مظلوماً فينصفه. هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبته رأفته بالمشركين على شح نفسه في ملكه، وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله صلى الله عليه وسلم لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك، فإنك لا تجمع المال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله عبراً في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فلا يزال الله تعالى يلطف لذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه، ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يشاء. وإن قلت: أجمع المال لأشيد سلطاني فقد أراك الله عبراً فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك ووالديك وما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد فإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا بمنزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟ قال: لا. قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله به وما أنت ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل، وإنما [215/ب] يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم؟ فما تقول إذا انتزع الحق المبين من ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب أيغني عنك شيئاً مما كنت فيه من ملك الدنيا؟ فبكى المنصور بكاء شديداً وانتحب وارتفع صوته ثم قال: يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئاً. قال: كيف احتيالي فيما خولت ولم أر من الناس إلا خائناً؟ فقال: عليك بالأئمة الأعلام المرشدين. قال: ومن هم؟ قال: العلماء. قال: فروا مني. قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم ما ظهر من طريقك من قبل
: