قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٧٤

174

قنطرة الجهاد

عمالك، ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم، وامنع من الظالم، وخذ الشيء مما حل وطاب، وأقسمه بالعدل، فأنا ضامن عمن هرب عنك أن يأتيك ويعاونك على صلاح أمرك ورعيتك، فقال المنصور: اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم. ثم قال للحرسي: عليك الرجل إن لم تأتي به لأضربن عنقك فاغتاظ عليه غيظاً شديداً إذ لم يوجد فخرج الحرسي يطلب الرجل فوجده يصلي في بعض الشعاب فطلبه أن ينطلق معه. فقال: ليس لي إلى ذلك من سبيل. قال: يقتلني. قال: ولا يقتلك. قال: فكيف؟ قال: فأخرج من زود كان معه رقاً فيه شيء مكتوب. قال: خذه، فإن فيه دعاء الفرج. قال: وما دعاء الفرج؟ قال: لا يرزقه إلا الشهيد وأن من دعا به مساء وصباحاً هدمت ذنوبه ودام سروره، واستجيب دعاءه وبسط له في رزقه، وأعطي مأموله وأعين على عدوه، وكتب عند الله صديقاً ولا يموت إلا شهيداً. تقول: اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت [1/ 216] بعظمتك على العظماء / وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت وأصبحت فيه فرجاً ومخرجاً. اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا استوجبه بما قصرت فيه، أدعوك آمناً وأسألك متأنساً وإنك المحسن إلي وإني المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم مع استغنائك عني، وأتبغض إليك بالمعاصي مع افتقاري إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فعد بفضلك وإحسانك إلي إنك أنت التواب الرحيم.

قال: فأخذته فَصَيّرته في جيبي فدخلت على أمير المؤمنين فنظر إليَّ وتبسم. قال: ويلك أتحسن السحر؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين وقصصت عليه أمري مع الشيخ. فقال: هات الرق الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال: قد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف درهم والله أعلم. فهكذا كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكنهم اتكلوا على الله سبحانه أن يحرسهم ورضوا بحكمه أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا فيه النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها.

(1)

(1) هذه القصة منقولة من كتاب - أمر الأمراء بالمعروف ونهيهم عن المنكر ص 346 من كتاب ـ الإحياء - للإمام الغزالي، طبعة دار إحياء الكتب العربية.